2018/05/25

جائزة الشيخ زايد للكتاب تفتح باب الترشح لدورتها الثالثة عشرة 2018-2019

جائزة الشيخ زايد للكتاب تفتح باب الترشح لدورتها الثالثة عشرة 2018-2019

أبوظبي مايو 2018– أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب عن فتح باب الترشح  للدورة الثالثة عشرة  بدءاً من اليوم وحتى الأول من أكتوبر القادم.
وكانت الجائزة قد كرمت الفائزين في دورتها الثانية عشرة في حفل أقيم تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في منارة السعديات بأبوظبي في 30 ابريل الماضي.
وقد استقبلت الجائزة المرموقة عالميا،  في دورتها السابقة 1191 عملاً من مختلف دول العالم، حيث تستقبل  الجائزة ترشيحات ذاتية من المؤلفين أنفسهم إلى جانب ترشيحات دور النشر ، ويحق للمرشح التقدُّم بعمل واحد لأحد فروع الجائزة فقط في الدورة نفسها، ومن شروط الجائزة أن تكون المؤلَّفات المرشَّحة مكتوبة باللغة العربية، باستثناء فرع جائزة الترجمة، وفرع جائزة الثقافة العربية في اللغات الأخرى ، يذكر أن الجائزة لا تُمنح لعمل سبق له الفوز بجائزة عربية أو عالمية. و يجوز إعادة الترشُّح للجائزة بالعمل ذاته في دورة أخرى،  على أن يكون العمل مستوفيا لشرط المدَّة الزمنية، مع ضرورة التقدُّم بطلب جديد.
وتنقسم جائزة الشيخ زايد للكتاب لتسعة فروع هي: جائزة الشيخ زايد للتنمية وبناء الدولة؛ وتشمل المؤلفات العلمية في مجالات الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والإدارة، والقانون، وبناء الدولة، سواء كان ذلك في الإطار النظري أو التطبيقي.  وجائزة الشيخ زايد للآداب؛ وتشمل المؤلفات الإبداعية في مجالات الشعر، والمسرح، والرواية، والقصة القصيرة، والسيرة الذاتية، وأدب الرحلات، وغيرها من الفنون. وجائزة الشيخ زايد لأدب الأطفال والناشئة؛ وتشمل المؤلفات الأدبية، والعلمية، والثقافية، المخصصة للأطفال والناشئة في مراحلهم العمرية المختلفة، سواء كانت إبداعاً تخييليّاً أو تبسيطاً للحقائق التاريخية والعلمية في إطار جذاب يُنمي حس المعرفة والحس الجمالي معاً. أما جائزة الشيخ زايد للمؤلف الشاب فتشمل المؤلفات في مختلف فروع العلوم الإنسانية، والفنون، والآداب، بالإضافة إلى الأطروحات العلمية المنشورة في كتب، على ألا يتجاوز عمر كاتبها الأربعين عاماً.
وتشمل جائزة الشيخ زايد للترجمة المؤلفات المترجمة مباشرة عن لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية ومنها، شَرْطَ التزامها بأمانة النقل، ودقة اللغة، والجودة الفنية، وإضافة الجديد إلى المعرفة الإنسانية، مُعليةً من قيمة التواصل الثقافي.
أما جائزة الشيخ زايد للفنون والدراسات النقدية فتشمل دراسات النقد التشكيلي، والنقد السينمائي، والنقد الموسيقي، والنقد المسرحي، ودراسات فنون الصورة، والعمارة، والخط العربي، والنحت، والآثار التاريخية، والفنون الشعبية أو الفلكلورية، ودراسات النقد السردي، والنقد الشعري، وتاريخ الأدب ونظرياته. في حين تشمل جائزة الشيخ زايد للثقافة العربية في اللغات الأخرى جميع المؤلفات الصادرة باللغات الانجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية عن الحضارة العربية وثقافتها، بما فيها العلوم الإنسانية، والفنون، والآداب، عبر حقولها المختلفة ومراحل تطورها عبر التاريخ.
وتمنح جائزة الشيخ زايد للنشر والتقنيات الثقافية لدور النشر ، ولمشاريع النشر والتوزيع والإنتاج الثقافي الرقمية، والبصرية، والسمعية، سواء كانت ملكيتها الفكرية تابعة لأفراد أو مؤسسات، وأخيراً جائزة الشيخ زايد لشخصية العام الثقافية؛ وتمنح لشخصية اعتبارية أو طبيعية بارزة على المستوى العربي أو الدولي، لما تتميز به من إسهام واضح في إثراء الثقافة العربية إبداعاً أو فكراً، على أن تتجسد في أعمالها أو أنشطتها قيم الأصالة، والتسامح، والتعايش السلمي.
وتستقبل الجائزة الترشيحات عبر نظام إلكتروني تم استحداثه مؤخراً على موقع الجائزة  (www.zayedaward.ae) حيث تتوفر للمرشحين تسهيلات عدة؛ منها إمكانية حفظ بياناتهم واستكمالها في وقت آخر، والتعديل عليها، كما تمكنهم من الاطلاع على كافة ترشيحاتهم السابقة وإعادة الترشح في الدورات بشرط استيفاء شروط الجائزة. يذطر أنه يحق لدور النشر ترشيح عدة مؤلفات صادرة عنها في كافة فروع الجائزة بالإضافة إلى ترشيح ذاتها كدار نشر.

قراءة في رواية: فيتا.."أنا عدوة أنا" للكاتبة ميسون الأسدي بقلم: زياد جيوسي

قراءة في رواية: فيتا.."أنا عدوة أنا" للكاتبة ميسون الأسدي



بقلم: زياد جيوسي
      من قراءة الإهداء في الرواية مرورا بقراءة التقديم للقاصة والروائية ميسون الأسدي نعرف أننا سنحلق في فضاء آخر من الأدب، فميسون الأسدي والتي تابعت لها معظم ما كتبت من قصص ومن روايات ومن قصص أطفال، وكتبت أكثر من مرة عن إبداعها من قبل أن التقيها شخصيا وهي زوجة صديقي الحميم المسرحي أسامة المصري، اعتدت على مفاجأتها واختلفنا كثيرا والتقينا أحيانا في وجهات النظر، لكن بقيت ميسون دوما من قبل أن التقيها تحترم وجهة نظر الآخر، وفي هذه الرواية تبدأ الإهداء لأرواح الأدباء الروس، وتعتبر ما كتبته لوحة رسمتها من بيئتهم، وتقول في تقديمها: " أشعر بوضوح أنني أنتمي لهذا الكون وليس إلى مكان محدد ومع انطلاق أول رواية طويلة لي، أخذت- دون قصد- بالكتابة عن عالم بعيد عني كل البعد، والأمر ذاته حصل معي في الرواية الثانية، فطفت مع أبطالي في أنحاء العالم.. لا أكشف سرّا إذا قلت أنّني من المولعين بالأدب الروسي الكلاسيكي. فكلما انتهيت من مطالعة أيّ رواية روسية، تهتزّ روحي وأتخيل نفسي بأنّني أقوم بكتابة رواية أبطالها روس، مع ذات الأسماء التي قرأتها لدى ديستويفسكي وﭼوﭼل وتشيخوف وتولستوي وتورﭼنييف وايتماتوف وحمزاتوف وغيرهم"..
   مباشرة بعد التقديم تقوم ميسون الأسدي برواية حكاية تاريخية تشكل الإطلالة لفكرة روايتها وهي حكاية الامبراطورة الروسية الياصبات التي ورثت العرش للأمير بطرس المعتوه والسكير، والذي خلعته عن العرش زوجته صوفيا الألمانية الأصول والتي غيرت اسمها إلى كاترين كما غيرت مذهبها البروتستانتي إلى الأرثوذكسية، وقتله عشيقها وأصبحت هي الامبراطورة، وهي التي بنت مدينة "فورت خيرسون" ومن هذه المدينة تنطلق ميسون لروايتها وتبدأ بفصلها الأول "المستشفى" من مدينتها حيفا.
   في تلك المدينة سكن أهل فيتا وهم يهود روس ولكن والد فيتا لم يكن يهوديا متزمتا بل سكيرا وأقرب للروس في سلوكياته، وأمها كانت مسيحية أرثوذكسية، وفيها ولدت الفنانة فيتا وهي الشخصية التي بحثت عنها ميسون في خيالها وفي تلك المدينة لتجدها في فيتا صديقتها التي تعيش معها في حيفا، وفيتا عانت في طفولتها الكثير، فالفقر دفع أمها بعد عمليات إجهاض متعددة لمحاولة إجهاضها وهي حامل فيها لولا منعها من قبل الأطباء خوفا على حياة الأم، وفيتا اكتشفت ذلك صدفة وعرفت انها أتت فرضا على العائلة، ولذا سعت لتكون متميزة "وحاربت طوال الوقت، لكي تثبت أنها طفلة متكاملة في أعمالها وتصرّفاتها، وليعلم الجميع بأنّ ولادتها لم تكن خسارة للعائلة"، في ظل الفقر والبيئة المحيطة " فالجيران الذين يسكنون في نفس المبنى القديم وحول الساحة المشتركة، يتنافسون بالفقر، والفاقة، والتباغض، والقسوة والتبجّح"، وكانت تعيش التناقض تجاه والدها السكير، ومشاعرها تجاه أسرتها بشكل عام وتجاه أختها المنفلتة بسلوكها بشكل خاص.
   فيتا فنانة موهوبة منذ الطفولة والتحقت بمدرسة الرسم من الأول ابتدائي "وأصبح الرسم بالنسبة لها ملجأ للهروب من هذه الحياة" وفي مشفى حيفا جلست ترسم العجوز اليهودية سارة كوهين المهتمة بالفنون والتي تمتلك كنزا من اللوحات الفنية، وأهدت المشفى نسخا مصورة عن لوحات لكبار الفنانين علقت في ممر المشفى، والتي تريد أن تخلد نفسها بلوحة وهي تستعد للموت، وفيتا فنانة فقيرة وبحاجة للمال فتقبلت هذا الوضع بالإقامة مع عجوز بالمشفى حتى تنهي اللوحة، وكانت كل المشاهد التي تراها تدفعها إما للذاكرة أو التأمل.
   والغريب أن دراستها كانت مكلفة كما تحدثت الرواية علما أنه في المرحلة الشيوعية كان التعليم مجانيا، وكانت الكليات تقدم منحا ومحفزات مالية للمتفوقين، وفي نفس الوقت كان السوفيت حريصين جدا على موضوع الأمن للمواطن، فكيف كان بالإمكان الهجوم على منزل عائلة فيتا من بعض الجيران بطريقة وحشية والاستيلاء على مخزن يخصهم، وكيف كان هناك تفاوت طبقي في نفس الوقت الذي لا يسمح به بالعمل الخاص بالأجرة، فالدولة كانت تسيطر على كل شيء له علاقة بالاقتصاد.
   الغريب في الرواية هو الحديث المستمر عن الفقر الشديد لدى غالبية المواطنين السوفيت في هذه المدينة وهذا يعني تلقائيا أن الفقر وسوء الظروف الاجتماعية كان منتشرا في الاتحاد السوفيتي، وهذا يخالف أفكار الشيوعيين العرب عما كانوا يتحدثون به عن السوفيت، وبالتالي نجد أن فيتا الفنانة وحسب الرواية تمكنت الوكالة اليهودية من الوصول إليها ولعدد كبير من أصحاب الديانة اليهودية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإقناعها بالهجرة إلى جنة عدن وأرض اللبن والعسل أو كما تعتبرها الوكالة "اسرائيل"، والتي اكتشفت أنها غير ما فهمته وأنها أيضا تتعرض للاستغلال فيها والغش والخداع حتى أنها فكرت بالانتحار، وأنهم يدفعونها لكراهية الآخر "العربي" وهي بحكم تربيتها السوفيتية "بفضل النظام السوفييتي لم يكن هناك قوميات وعنصرية وتفرقة، فجيرانها الأرمن كانوا بالنسبة لها أناسا عاديين، وكان الجميع روسا بنظرها ونظر الآخرين، لا فرق بين هذا وذاك. بدأت فيتا ترى التطرف داخل الوكالة، فالمعظم لم يكن لهم نظرة احترام وتقبل الآخر المختلف وهو العرب أهل البلاد، وهي لم تر العرب كأعداء لها، رغم أنها لم تكن تعرفهم عن قرب، ولم تتح لها الفرصة بعد بالتعرّف عليهم".
   فيتا تزوجت من عربي مسلم وعقدت قرانها عند القاضي المسلم، وسجلت ابنتها كمسلمة كي تحمي أولادها من الخدمة بالجيش الاسرائيلي، وأشهرت إسلامها على المستندات الرسمية أمام مأذون الزواج داخل أروقة المحكمة الشرعيّة، لكن شعور عدم الانتماء ما زال موجودا في صميمها، ولا يوجد عندها انتماء للعرب أو لليهود أو للروس، فهي شخصية متناقضة جدا، فهي عملت مع الوكالة اليهودية عدة سنوات من أجل ترحيل اليهود للاستيطان في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني، "قضت فيتا خمسة أعوام بالعمل مع الوكالة اليهودية، حيث كانت تسافر إلى بلدان روسيا بمهمّات متفرّقة مرّة كل نصف سنة، صيفا وشتاء، كان على عاتقها جذب الشبيبة وحضّهم للهجرة إلى "أرض اسرائيل" وتثقيف اليهود خارج إسرائيل بالأهداف الصهيونية. عملت كمرشدة في هذه المخيمات. وقد جنت فيتا مالا وفيرا من عملها هذا"، وبقيت سنة كاملة بعد وصولها لأرض فلسطين في مركز الاستيعاب" مركز استيعاب القادمين الجدد أهتم بها، ولكن ما أن خرجت من المركز إلى العالم الحقيقي، حتى تفجر هذا الحلم أمام أعينها، ليس هذا ما آمنوا به وما علّموهم إياه، فقد بدأ مشوار الاستغلال"، أي أنها بدأت باكتشاف الواقع من حولها، واقع دولة أصلا قامت على تزوير التاريخ وحقوق ودماء وألم الآخرين من أبناء فلسطين، ففكرت بالانتحار أكثر من مرة، وفكرت بالهجرة مجددا، لكن فعليا بقيت في الأرض المغتصبة حتى تزوجت من فلسطيني وغيرت ديانتها.
  حين عادت لزيارة اوكرانيا وحضور جنازة والدها حققت معها شرطة اوكرانيا عن سر هجرتها، واتهموها أنها ذهبت إلى اسرائيل من أجل العمل بالدعارة كما عرف عن مهاجرات دول الاتحاد السوفيتي، أو أنها جاسوسة، وهذا عطلها عن العودة فلجأت للسفارة الاسرائيلية.
   هنا سيكون عدة تساؤلات من خلال الرواية، فهل كان اليهود يشكلون قوة هائلة تحت الستار في الاتحاد السوفيتي حتى تظهر قوتهم فجأة بعدانهياره؟ أو أنهم كانوا القوة المخفية المعدة لتدمير الاتحاد السوفيتي وينتظرون اللحظة المناسبة؟ وهل كان نظام السوفيت قائما على القمع ودماء الشعب بعكس الدعاية التي كنا نسمعها؟ فوصف أماكن السكن في مدينة "فورت خيرسون" والفقر المريع والظروف الصعبة للمواطنين والفوارق الطبقية تشير أن الناس كانوا يعيشون في جحيم معزول عن العالم، وحقيقة وأنا لست بالشيوعي بأفكاره ولم أزر أيا من دول الاتحاد السوفيتي سابقا، كنت أستمع من طلاب وأصدقاء محايدين فكريا أشياء جميلة تختلف تماما عما أشارت له الرواية، وهل هجرة اليهود الروس فقط قائم على ظروف اقتصادية عاشوا بها في السابق، علما أنه من أكثر الأحزاب تطرفا وعنصرية وعداء لأبناء فلسطين خاصة وللعرب عامة هو حزب "اسرائيل بيتنا" وهو يضم مهاجري دول الاتحاد السوفيتي سابقا.
   فيتا انعكس ماضيها المؤلم كثيرا على نفسها وكلما حاولت نسيان الماضي والذكريات المؤلمة كان هناك ما يعيدها من جديد، وخاصة من خلال مناقشات ابنتها معها، حتى أنها أصيبت بحالة نفسية صعبة حين حملت مرة أخرى وكانت تخشى على الأطفال القادمين من الفقر والتعب، وهذا استرداد نفسي لما عانته أمها وهي حامل بها وعرفته هي وبقي راسخا في عقلها الباطن، حتى أنها فرحت حين مات التوأم في رحمها وأسقطتهم بالمشفى وتركتهم ليدفنوا هناك وليس على الطريقة الإسلامية، كي لا يبقى أي رابط لها بهم، وهذا يشير كم كانت شخصية فيتا انعكاس للماضي، حتى أن العجوز قبل وفاتها تركت لها رسالة شخصت فيها فيتا أنها عدو نفسها كما هو وارد في عنوان الرواية، فقالت لها في الرسالة: "عزيزتي فيتا.. لقد قمت بتوديعك بالأمس بقبلة على جبينك، أنا أشكرك على ما قدمته لي طيلة مكوثك معي هنا بالمستشفى، واقبلي منّي هذا المبلغ المتواضع، علّك تكملين ما بدأته معي من رسم.. فأنت تستحقين أكثر من ذلك.. وهناك هدية أخرى، أريدك أن تتصرفي بها بالشكل اللائق والمهني، وهي عبارة عن مجموعة رسومات نادرة، سجلت بالوصية أن تتحوّل لك.. آمل أن تبعث لك هذه الرسالة السعادة، فأنا لا أريد الموت وأنت تعيسة، وأن لا تكوني سجينة نفسك وسجينة شكوكك كما لاحظت عليك بالأمس.. فهناك آية في التوراة تقول: "أحب لغيرك كما تحب لنفسك" وهذا لا يعني أن تفضل الآخرين عن نفسك، عليك أن تعطي نفسك حقها في البداية حتى تستطيع أن تعطي بالمثل للآخرين.. وكفاك يا صديقتي أن تكوني عدوّة نفسك.. مع تحيات سارة كوهن".
 هذه الرسالة أحدثت انقلابا في حياة فيتا، فقررت أن تصالح نفسها ولا تكون عدوة لها فبدأت بكتابة رسائل سريالية لكل فرد من أهلها بما فيهم والدها المتوفي، ولعل أهم الرسائل رسالتها لصديقتها ناتاشا التي تقول فيها: " صديقتي العزيزة نتاشا.. آمل أن تكوني بخير.. وبعد.. منذ أن بدأت أعيش حياتي الحرّة وأنا أفكّر مع نفسي بين الحين والحين، عندي أمور كثيرة أريد أن أحدّثك بها وأسئلة عديدة أطرحها عليك. أودّ أن أشاركك ببعض أفكاري، كلّي رغبة بالهجرة من جديد. قررت ترك إسرائيل والهجرة ثانية بعد أن فهمت وأدركت بأنّ ما قمت به في السابق، من حثّ الأطفال الصغار على الهجرة إلى إسرائيل، هو أمر غير أخلاقي، فهم صغار وبهم طيبة تُثير الرغبة في البكاء ولا يفقهون شيئا، لأنّهم غير قادرين على اتخاذ القرارات الصحيحة لأنفسهم، يمكننا العمل مع الذين تخطّوا جيل الثامنة عشر، فهم واعون لقدرهم ويعرفون نسبيّا اتخاذ القرار دون حثّهم.
اليوم، أنا على يقين، أنّ الإنسان الذي يترك بلده ولا يهم من أي بلد جاء، هذا يعني أن يصبح لاجئا في بلد آخر، وهذه الدولة- إسرائيل- تبيّن للقادم الجديد بأنّها تدعمه وتريده، ولكن على أرض الواقع ليس الأمر كذلك، ومعظم من عملت معهم من الشبيبة يأتون هربا من الفقر والجوع وليس حبّا بإسرائيل.
هذه التجربة التي مررت بها داخل الوكالة اليهودية هي تجربة رائعة لأنّني التقيت بأشخاص جُدد، تعرّفت عليهم وعملت مع الصغار، وهم ثروة بحد ذاتهم، وما كسبته من عملي وفرّ لي مبلغا من المال لأسافر وأتجول ثانية في البلاد الروسية وضواحيها وادّخرت بعضا منه. والحياة يا نتاشا أخطبوط كثير الأذرع. ذراع واحد تكفي لحبس الإنسان".
   وتعود فيتا من جديد لبلدتها خيرسون وتشتري المجمع الذي سكنت بجزء منه في طفولتها " قامت فيتا وزوجها بترميم البيت، حيث أصبح مقرّا لروّاد الفنون، وقد تم تقسيمه إلى أربعة أقسام، قسم لمعيشة فيتا وزوجها، وقسم تحوّل إلى جاليري وضعت فيه جميع اللوحات التي ورثتها عن العجوز، وقسم تحوّل إلى ستوديو تقوم فيه فيتا برسم أعمالها، وتعرض فيه لوحاتها الشخصيّة للبيع، والقسم الرابع تحوّل إلى مقهى ومطعم بإدارة زوجها، وقد تم استغلال الساحة التي تتوسط البيوت لزرع بعض الأشجار وقد وضعت فيها طاولات وكراسي لروّاد المطعم".، لتختم الكاتبة ميسون الأسدي روايتها بما بدأت به حكاية الامبراطورة كاترين فتقول: "سمّيت الفترة التي حكمت فيها كاترين الثانية الامبراطوريَّة الروسيَّة بِالعصر الكاتريني، وقد اعتبر المُؤرخون هذه الفترة بأنّها الحقبة الذهبيّة للامبراطوريَّة. فقد كانت كاترين الثانية داعمة للمبادئ التنويريَّة بولع شديد، وأصبحت معروفة بأنّها حاكمة مستنيرة مطلقة. وبفضلها تم تأسيس معهد "سمولني" وهو أوَّل مُؤسسة دراسات عُليا في أوروبا، خصّص لِتعليم النساء. وسيرا على درب ملوك أوروبا، شيّدت كاترين قصرًا- والمعروف اليوم بقصر الارميتاج- وكانت تستقبل فيه ضبّاط وقاده الجيش وحاميات المدن وهم على الغالب من عشاقها. وفي سبيل تعزيز سلطتها المجيدة، أخذت بالتركيز والاهتمام على الأدب والفنون، وجمعت حولها المبدعين والأدباء الكبار في ذاك الزمان. وأرسلت العديد من الأشخاص إلى فرنسا وإنجلترا، ليستمدّوا من علومهم وآدابهم ولغاتهم ويعودوا لتطوير بلادهم الروسية".
   وهنا نجد خيال الكاتبة قد اتجه لمزج شخصية كاترين الامبراطورة بشخصية فيتا بالاهتمام بالأدب والفنون، وكاترين بنت قصرا وفيتا رممت مجمعا سكنيا، علما أن الشخصية الحقيقية فيتا ما زلت تسكن حيفا ولم تحلق عائدة لبلادها كما كل ما يسمى باليسار الاسرائيلي الذي يقر نظريا بحقوقنا في الضفة الغربية ولكنهم يعتبرون فلسطين التاريخية ملكهم وكذلك القدس عاصمتهم، ويتناسون أنهم يسكنون في بيوت هي حق لنا وعليهم مغادرتها عائدين من حيث اتوا.
   وفي النهاية وإضافة للملاحظات التي أوردتها خلال ما كتبت يطرأ بذهني سؤال آخر: هل يمكن اعتبار هذه الرواية قريبة من الأدب الروسي كما حلم ميسون الأسدي الذي عبرت عنه في تقديم الرواية بكتابة رواية أبطالها روس وأسمائهم كذلك؟ وهل الاعتماد على ذاكرة فيتا وتداعيات ذاكرتها بين خيرسون وإقامتها في حيفا وفي مناطق أخرى محتلة ومغتصبة في فلسطين يمكن أن يمنح الرواية صفة الأدب الروسي؟
   الرواية شيقة وقراءتها غير مملة، احتوت على عناصر الرواية المختلفة من حيث شخصية رئيسة وشخصية ثانوية أساسية وشخصيات ثانوية أخرى وتعدد مسارح الرواية وتعدد فصولها، ورغم استغراق الكاتبة بالسرد حينا وخاصة بالحديث عن الفن التشكيلي واللوحات، وعن الحياة في خيرسون من ناحية أخرى، واستغراقها بالتحليل النفسي أحيانا وربما متأثرة بعملها في العمل الاجتماعي الذي ترك أثره على قصصها السابقة، إلا أن البناء الروائي كان جيدا وجميلا، وحملت الرواية فكرة أنه لا يمكن لفلسطيني وفيٌّ لوطنه أن يخرج عنها وهي أن فلسطين لأهلها وكل الذين استوطنوها كرسوا فكرة لا يتقبلها عقل بشري، وهي فكرة الأرض الموعودة، ولذا نرى فعليا رغم كل عنجهية وقسوة الاحتلال أن اليهود وبمجرد حدث كبير يغادرون فورا ولا يتخلون عن جنسياتهم الأصلية ليعودوا من حيث أتوا، ولكن في المقابل برز في ذهني تساؤل حول تعدد الروايات لكتاب عرب وفلسطينيون في السنوات الأخيرة التي تتحدث عن وجه آخر لمن اغتصبوا فلسطين، وجه انساني غير موجود في الواقع ابدا، والتطرف اليميني في المجتمع اليهودي في فلسطين كشف عن وجهه وظهر جليا، فهل هذه الروايات نتيجة انهزام في نفوس بعض الكُتاب أم ضمن نهج تطبيعي يتخيل الحل للقضية الفلسطينية بالتعايش مع هذا الإحتلال الغاشم؟
"فلسطين 2018"

العجائبية وأدب البحر قراءة فى رواية " خالتى غزالة " لأحمد الفقيه بقلم: د/ شعبان عبد الحكيم محمد



العجائبية وأدب البحر قراءة فى رواية " خالتى غزالة " لأحمد الفقيه


بقلم: د/ شعبان عبد الحكيم محمد
-1-
" خالتى غزالة تسافر فى فندق عائم إلى أمريكا " ([1]) أحدث الأعمال الروائية للروائى العربى الليبى أحمد الفقيه ، والتى تجاوز العشرين رواية ، وهذه الرواية تصنف من روايات " أدب البحر "
وهو أدب له مواصفاته الخاصة ، من حيث المكان والزمان وبنية الأحداث والرؤية السردية للكاتب ، فمسرح الأحداث فى هذا الأدب السفينة التى تمخر فى البحر ، والأحداث لا تجرى على الأرض اليابسة اللهم إلا فى المراسى بعض الوقت لراكبى السفينة ، فى البلاد التى يمرون بها ، ويتفتقدون معالمها ، ويستمتعون بمشاهدة الجديد امتدادًا لقضاء وقت جميل فى هذه الفترة  ، وفى هذه الرواية السفينة هيدرا مكان وقوع الأحداث ، تقوم كل شهر برحلة من شواطىء ليبيا إلى نيويورك والعودة ، يركب فيها البطل فى هذه الرحلة بعدما استدان مبلغًا من جريدة " طرابلس الغرب " التى يعمل محررًا صحفيًا بها ، فأبحرت  به السفينة من شواطىء ليبيا حتى نيويورك وميامي والعاصمة واشنطن ، مرورا ببعض الجزرفي المحيط الأطلسي مثل جزر الكناري وبرمودا وإحدى جزر البهامز... والعودة ،والزمن فى أدب البحر محدود وفى هذه الرواية لمدة شهر ،  والرؤية السردية للكتاب أدب تفصح عن حبهم للتجوال والسفر والكشف ، والتعرف على المجهول ، وفى هذه الرواية ، يهدف البطل – إضافة إلى ما ذكرنا - الترويح عن النفس أثر أزمة عاطفية ، لرحيل محبوبته " روزا " إلى بلدها إيطاليا ،  ومن ملامح هذا الأدب الغرائبيية ، وقد وجدنا هذا الملمح فى أدب الرحلات عند العرب قديما وحدديثًا ، حيث المغامرات المذهلة المثيرة والمدهشة ، والتعرض للمخاطر ، وبقوة فوق قدرات البشر تكون النجاة ، وفى هذه الرواية نجد كثيرًا من الغرائب كظهور جزيرة أطلنتطس التى مُحِيتْ عن الوجود بحوالى تسعة آلاف عام  ، ومحاولات اختطاف السفينة ونهبها من قراصنة ، والحصول على الفروة الذهبية .
بطل الرواية " أحمد " على اسم الكاتب ومهنته ( من عدة مهن يمارسها الكاتب كصحفى وسياسى  وأستاذ جامعى ) ينطلق على هذه السفينة للترويح عن نفسه ، والتخلص من علائق النفس إثر قصة حب فاشلة – كما ذكرنا - مع فتاة إيطالية اسمها " روزا " كانت تسكن فى شقة مقابلة لشقته فى شارع " باندونج " الذى كان يُطْلَقُ عليه شارع " فولبى "  رجعت مع والدها السنيور جوزيبي،  الذى كان يدير وكالة تجارية فى طرابلس ، حيث كانت تملك مصنعا للبسكويت في طرابلس، ويتبع الشركة الأم في روما... من هذا الموقف تبدأ الغرائبية فى استعانته بخالتى غزالة ، مستفيدًا من إمكاناتها الروحية لأنها صاحبة قدرات سحرية في جلب الحبيب، وإزاحة المشاكل من طريق الأحباء ، ليكون القرب بعد الجفاء ، وبعدما  قررت " روزا "  الرحيل مع والدها كان تفكير البطل فى هذه الرحلة الترفيهية ...  وهنا يلجأ الكاتب إلى تقنية النص داخل النص ، تجلى هذا فى كتابة عمل أدبى يقوم على الخيال على ظهر هذه السفينة ، وإذا كان العمل الفنى برمته تشكيلًا خياليًا ، فالكاتب يتخيل وجود " خالتى غزالة " صاحبة العلم اللدنى ومعجزات أهل الخطوة ، لتكون بطاة لعمله القصصى  ، وقد وجد فى مثل هذه الشخصية الأداة الفنية ، للتغلب على الصعاب والمفاجآت المذهلة فى رحلته ، ليصنع من عمله نصًا خياليًا له مذاقه الفنى اللذيذ الممتع .
تصطحب خالتى غزالة البطل فى رحلته  مسخرة قواها الروحية وعلمها اللدنى ، كاشفة للغيب قبل إبلاغها بالرحلة ، يجدها فى انتظاره فى شقته فى طرابلس ، وتتنبأ له بتجاوز محنته وذهاب الغم والهمِّ اللذين رانا على نفسه بعد رحيل " روزا "  وتستجيب لدعوته لصحبته فى هذه الرحلة لتكون له عونًا وسندًا ، ولكنها سترحل عن بلدها برج الطين فى أى وقت تراه مناسبا ، وتظهر بدون مقدمات لظهورها ،  ويلتقيان فى السفينة وقد كان .
الحلم بقصة حب تمسح قلب البطل نجد  هذا الملمح نجده يستقطب أدب الكاتب ، وجدناه فى رواية " نفق تضيئه امرأة واحدة " وفى كثير من قصصه القصيرة بداية من قصته الأولى " اختفت النجوم فأين أنت ؟! .... هذه التيمة التى تصاحب الكاتب فى إبداعه للتسرى والانطلاق ونسيان الهموم والحزن ، هذا الملمح نجده فى هذه الرواية ، فيحلم الكاتب بفتاة جميلة رشيقة ، تصحبه فى رحلته المحدودة الزمان والمكان ، وقد كان هذا مع " أوديث " صاحبة الغرفة المجاورة له في الجناح  الذى أقام فيه ، ومن بعدها كانت " لورين "  التى عاش معها لذاذة الحب فى شتى صورها ، فكانا لا يفترقان لإشباع رغبتهما الجسدية والروحية .
-2-
هكذا يستثمر البطل هذه الظروف ليكتب عن البحر وأدب البحر ، ومن خلال هذه الرحلة ، وقد كان الموضوع المقترح عن " خالتى غزالة " التى تسكن فى برج الطين ، لتتماشى هذه المرأة فى تكوينها النفسى والإشراقى مع أدب الرحلات الذى يعتمد على الخيال البعيد ،وإحداث الخوارق ،  امرأة لها بركاتها وكشفها الخاص " وصلت في مدارج الرقي الصوفي والروحي والعرفاني، إلى أعلى مرتبة، وهي مرتبة القطب، الذي يخرج من دائرة التكليفات ، ويرتفع الى مرتبة الصفوة، المقربين من العرش، حيث تنطوي الأرض أمام قدمي القطب الصوفي وينطوي الزمن ، تتحول المسافات الجغرافية والمسافات الزمانية ، الى بساط يطويه ويبسطه كما يشاء، ويرى ما لا يراه الناس العاديون، ويسمع ما لا يسمعون، ولا يسأل عن أداء واجبات وفروض ، لأن الكون كله يصبح معبدا بالنسبة له،  وما يفعله من حركات وسكنات ، تكون صلاة دون حاجة الى قيام وقعود وسجود، ويتحول الخمر في فم القطب الى مشروب طهور له طعم الشهد، حتى صيامه يختلف عن صيام بقية الخلق، فهو لا يرتبط بشهر ولا بصوم ساعات تبدأ مع شروق الشمس وتنتهي مع غروبها، لأن القطب يعاني مكابدات الصوم ، ويقوم بالعبادات في كل الأوقات وأيام العام " ( الرواية )
وفى كتابه ذى الغلاف الحريرى الذى يقوم بإعداده يعرض لصفحات حياتها الإشراقية ، حيث ولدت لعائلة بدوية في منطقة وادي المرأة، في بادية برقة ، تشتغل برعي الأغنام، وعندما وصلت سن السابعة، أعارها والدها الى الشيخ زين العابدين، شيخ المدرسة القرآنية هناك، لخدمته وخدمة زوجته، لأنه لم يكن لهما أطفال، وكانت زوجة الشيخ من أهل الفقه أيضا، وتقوم بتعليم القران للنساء، فحفظت على يديها القرآن الكريم ، وبعد وفاة أبيها وأمها تربت فى حضن هذا الشيخ وزوجته ، وكانا كلاهما قطبين في العلوم الروحية،  فصارت تأخذ عنهما الأوراد ، وتقتدي بهما في اتصالهما بالعوالم الروحانية، وقد كانت ترى الشيخ زين العابدين، وهو يتكلم أحيانا مع أشخاص غير مرئيين، وتسمعه يرد الكلام بحرارة وحفاوة، لشخص لا  تستطيع هي رؤيته .... تزوجت ولكن مات زوجها، إثر ضربة شمس، وعاد رفاقه في القافلة يحملون الى الخالة غزالة، جملا محملا بغرارتي تمر، هو كل ما تركه زوجها الراحل لها، واخذت تعيش تعيش بمفردها في البيت القديم الذي تركه له زوجها بين بيوت المعسكر الايطالى الذي كان خرابات، ظهرت بركاتها مع أهل القرية ، عندما شوهدت من قبل الذاهبين من أهل البلدة لأداء فريضة الحج ، تصلي في الحرم المكي  وفي الحرم النبوي الشريفين ، وأظهرت كرامتها فى إخراج  فتى  سجين ابن امرأة من القرية قد كان مدانًا ، والأدلة واضحة فى الحكم عليه ... وكان لها أغنام ترعى فى أطراف القرية ، يؤنس فيها الذئب الكلب ، وتترك هذه الأغنام ترعى على بركة الله ، وأظهرت كرامتها مع كثير من اهل القرية ، حتى مع البطل (الراوى ) استطاعت بأدعية معينة أن تشفيه من فيروس برد حاد أصابه .    
الغرائبية فى هذه الرواية تعكس لنا أبرز ملامح أدب البحر ، لاعتماده على الخيال البعيد ، حيث المغامرات الغريبة ، والأحداث المذهلة المريبة ، ومن سمات هذا الأدب – أيضا – أنه أدب يعتمد على قراءة  المجهول والتبؤ به ، والمغامرة للكشف وتزجية أوقات الفراغ ، فأدب البحر لا  يعالج قضية فى قالب واقعى ....ولكنه أدب يعتمد على الخيال البعيد فى الكشف والمغامرة ، وتزجية أوقات الفراغ ، وهذا ما صنعه الكاتب فى نصه ، الذى توازى مع النص الذى يبدعه البطل فى الكتاب الذى يزعم كتابته عن " خالتى غزالة " مستفيدًا من وجودها ، لتذليل العقبات التى تعترضهم فى هذه الرحلة ، وقد وجد فى " خالتى غزالة " المادة الخيالية التى من خلالها يكون نسيج النص الروائى ، كما سنرى فى هذه الدراسة الوجيزة .
فهذه الرواية تعبر عن حالة الكاتب - كإنسان - فى محاولته الخيالية  ، لتجاوز رتابة الواقع ، وتحقيق حلمه فى حياة ندية جميلة ، بها المتعة  والجمال ، وتجاوز المكان الذى يعيشه إلى مكان خيالى ، فيه الانطلاق والمتعة والجمال ، وتحقيق أمنية إنسانية ربما يكون قد سيطر على قلبه فترة طويلة فى إنشاء جمعية  خيرية ، لها رصيد مادى ، يمكن أن يرسم الابتسامة على وجوه كثيرين من الناس ، وقد كان فى نهاية الرواية ، بعد الحصول على الفروة الذهبية ، وإيداع هذا الذهب فى أحد بنوك بانكوك ، وتأسيس جمعية خيرية مقرها برج الطين ، مكان إقامة " خالتى غزالة "
فالرواية تنفيث لحلم جميل فيه الانعتاق والتحرر وحياة المتعة والجمال ، وجدنا ذلك فى طقوس المسافرين على ظهر السفينة ، ألف مسافر يرافقهم ألف عامل لخدمتهم ومساعدتهم على مزاولة حياتهم جميلة رقيقة ، بداية من الغرف الهادئة الرومانسية ، وتوافر المأكل الجميل والمشاريب  ، وقضاء أوقات فى اللهو والغناء والرقص ، ونذكر من المشاهد الساحرة الحفلة التنكرية التى يقيمها المشرفون على إدارة السفينة ، وفى هذا الحفل  يختار كل واحد أنثاه ، التى تظهر فى ثياب غير ثيابها ، وفى شخصية غير شخصية ، فمنهن من ترتدين لبس الملكة ،  ومنهن من ترتدين ملابس بدويات ، أو ملابس تاريخية قديمة " كان مكان الاحتفال الكرنفال التنكري، هو ذات القاعة الرئيسة التي سبق استخدامها في حفل التعارف، وكانت الفرقة الموسيقية تعزف  أنواعا من الموسيقى ذات الطابع الفلكلوري ، وكان الغالب على ملابس النساء، هي الملابس التاريخية التي لها ذيول تجر فوق الأرض ، ملابس الملكات والأميرات، ويمسك بعضن  بمراوح من ريش النعام،  وأخريات يضعن فوق رؤوسهن أغطية تشبه التيجان، أما الرجال فقد اكتفى أغلبهم بوضع الأقنعة على وجوههم، أقنعة حيوانات وطيور، وبسبب وجودنا في سفينة تمخر عباب المحيط، فقد اختار البعض ملابس البحارة ، كما تظهر في الأفلام وملابس جنود البحرية كما في عهد نيلسون ونابليون، واختار آخرون ملابس القراصنة،  حيث يضع الواحد منهم عصابة سوداء فوق إحدى عينيه " كل هذا لصنع طقس يكون به التحرر من الواقع المادى الرتيب ، وانعتاق الروح من هذا التأزم .
ومن هذه المشاهد السحرية الخيالية التى تسردها الرواية للترويح والتسلية والاستمتاع حين وصلوا لميناء لاس بالماس ما شاهده البطل " عرض سمك الدولفين، الذي يستقطب جمهرة كبيرة من المشاهدين، حيث يقف صاحب العرض فوق منصة عالية، وأسفل المنصة حوض كبير من البلاستيك مليء بالماء، يلعب فيه الدلفين مع صاحب العرض، يغريه بطعام في يده فيقفز الدولفين قفزات عالية في الهواء، يلتقط الطعام، قبل أن يعود إلى الماء.... وبعدها عرض للعرائس، ومسرحية يدور فيها الحوار بين بنش وجودي ، بطلي العرض باللغة الانجليزية .... (وبعدها كان الذهاب ) إلى ميدان آخر، وفرقة من العراة ، نساء ورجال، يقدمون استعراضًا راقصًا، يتخذ شكل معركة بين فريقين، يصل الصراع بينهما إلى حد الاشتباك بالأجساد، ويتحول العرض الى ما يشبه المعاشرة الجنسية بين نساء العرض ورجاله، ولم يكن هناك حوار، وإنما موسيقى صاخبة تتخللها صرخات وآهات لها طابع الإثارة الجنسية  "  ( الرواية ) فالرواية تصنع لنا جوا من الفانتازيا الجميلة التى تعيشنا فى لذاذة الخيال ومحراب الفن ، وكأنها تريد أن توصل لنا رسالة ألا وهى : إن الحياة التى أجدر ان تُعَاش هى حياة الفن والجمال والمتع والإشراق ...تجلى هذا فى سلوك وتصرفات راكبيها ، فهذا خريستو الذى أسس نادى  الناس الحلوة ( جى . جى . G.G  ترمزان إلى كلمتي  Good Guys )  يجىء " مرتديا كامل ملابسه، ليس للسباحة وإنما لتذكيري بأن غداء اليوم سيكون غداء خاصًا ، هو أطباق اللوبستر، وهو غداء لا يقدم إلا مرتين طوال الرحلة ، بسبب غلاء هذا النوع من الأسماك في الأسواق، وقال إنه سيسبقنا إلى المطعم، ويحجز لنا مكانين في الطاولة التي يختارها .." ( الرواية ) ... حتى خالتى " غزالتى " هذه المرأة الربانية البدوية ، تجىء مرتدية "  فستان سهرة من النوع الطويل الذي يجرُّ فوق الارض، مما ترتديه نساء الطبقة الراقية، وتتزين بقلادة من أحجار كريمة، تتدلى من جيدها، وتضع من أجل الوجاهة  عصا تملع في يدها مصنوعة من خشب الابنوس، له لون بني أقرب إلى لون الذهب. .."(الرواية ) ... كل ذلك عمل على صنع جو خيالى خاص فى هذه الرحلة ... ناهيك عن الموسيقى والرقص والغناء ، فقد شوهدت لورين ترقص بجنون ، وخريستو يظل للصباح يضرب على أعواده نغمًا شجيًّا جميلًا ، ومرَّ بنا عرضهم لحفل تنكرى ، ومن الفقرات التى قُدمت لها طابع خيالى بعيد فقرة عن التنويم المغنطيسى ، هذا العرض قدمه السيد بارسون خصيصا لأعضاء النادي، لإدخال البهجة على قلوبهم ... استدعي لها سيدة من بين الحاضرات، قام بتنويمها وجعلها تتقمص شخصية راعية غنم، في بادية فلسطين على عهد السيد المسيح، وكانت تتكلم وهي ترد على أسئلته ، تشرح ظروف الحياة في خيمة أهلها، وعن الجزء من فلسطين الذي تعيش فيه، ثم انهمرت بالبكاء لأنها قالت بأنها كانت ضمن الحشود التي ساقها العساكر بالقوة، لمشاهدة صلب السيد المسيح، وظلت تبكي حتى أيقظها السيد بارسون من حالة التنويم وأعادها إلى وعيها "( الرواية )
-3-
هكذا جاء السرد فى الرواية فى صورته الخيالية المدهشة ، هذا الملمح يتصف به إبداع الكاتب لامتلاكه ملكة رائعة ، ليصور لنا من خلال هذه الرحلة هذه الروح الحالمة التى يتمناها الإنسان فى الحياة التى يعيشها ، إنها نفثة رومانسية للحياة التى يتمنى الإنسان الحالم معيشتها ،حالة المتعة الراقية ، والارتياح الجسدى والروحى ، نجده فى علاقته بلورين التى كما يقول الراوى " اعتبرت حياتنا في السفينة - أنا ولورين -  شهر عسل بكل طقوسه وشروطه، شهرللحب والارتباط الروحي والجسدي ، نتفرغ فيه تفرغا شبه كامل لعشق أحدنا الآخر، وننهل من مناهل هذا الحب الى حد الارتواء والانتشاء والثمالة.... وأشعر – حقا - أنها امرأة مصنوعة من مادة نورانية ، تمتزج فيها قوتان ، فتنة الجسد وسمو الروح، وفرحي بوجودها  في سريري، يتحول إلى ألم وعذاب، خشية يوم فراقها، حتى عندما جاء الصباح.." (الرواية ) ... على هذا النهج الساحر من خيال الشفيف الجميل جاء السرد معبرًا عن هذا الجو العجائبى ، سواء فى أحداث الرواية الجسام كظهور مدينة أطلنتطس ، أو محاولة القراصنة اختطاف السفينة ..إلخ ،أو فى أحداثها الترفيهية ، كما فى هذا المشهد كما يصف لنا  ما شاهده  فى  جزيرة بارادايز  "  وهناك كان في استقبالنا جملة من صبايا الجزيرة يقمن بتقديم رقصة من رقصات البهامز التقليدية ، اسمها رقصة الزهور، حيث ارتدت كل فتاة  ثوبا مصنوعا من بتلات الورد ، تضع فوق رأسها تاجا من الزهور، وتحمل كل واحدة أكثر من طوق من الزهور، يتقدمن ويضعن هذه الأطواق في أعناق الضيوف، وهن يرقصن ويرددن الأغاني على وقع أنغام يعزفها جوق موسيقى صغير يحمل الطبول والمزامير الشعبية ، وجلسنا في منطقة جميلة مطلة على عدد من الشلالات ، تنساب من تلال تتسلقها عرائش الزهور،  وفي الوسط بحيرة تحلق فوقها الطيور، وكن فتيات الرقص يقمن بحركات مع الضيوف .." (الرواية )
خالتى غزالة رمز القوة الخارقة التى يحلم بها أى إنسان ليحقق أحلامه الغارقة فى الخيال  ، فمن منَّا لا يحلم ببساط ريح يحمله إلى أحبائه إذا كان فى الغربة ؟! ومن منَّا لا يحلم بمصباح علاء الدين يفتح له الكنوز ، ويسخر له الجان لصنع عالمه الجميل ؟!  خالة غزالة تتشكل فى أية  لحظة بما يتماشى مع حالة هذه اللحظة ، ففى الحفلة التنكرية نراها " ترتدي الملابس البدوية الليبية .... انتقتها بذوق ودراية ، وتجيد ارتدائها بمنتهى الإتقان والدقة، حتى منديل الرأس معقود بحرفية امرأة من أهل البادية ، والحلي الفضية التي لا عهد لأهل المدن، موجودة في أماكنها من الجبين والصدر....وهذا القميص البرتقالي تحت العباءة الخارجية، الذي لا ترتديه الا العرائس، مصنوع من الساتان اللامع، وهذه الأساور والدمالج وقلادة من نفس المعدن الفضي اللامع البياض" ( الرواية ) ... وعندما يقترب منها ، لا يجدها فى مكانها ، يراها قد تبخرت ، وهنا تبرز مقدرة الكاتب فى المراوحة بين الواقع والخيال ، يصنع لنا مشهدًا خياليًّا ، ويعيشنا فيه وكأننا فى الواقع  ، وعندما نقترب منه لنجعله واقعيا ، يحوله بطريقة فنية متقنة إلى وهم ، وهذا الملمح الفنى يستقطب أعمال الكاتب الفنية بداية من أول قصة قصيرة فى مجموعته " اختفت النجوم ..فأين أنت ؟! ففى هذه القصة يدخل الكاتب بطله إلى عالم الحلم ، عندما كان راجعا إلى بيته ، يغنى عن المحبوبة التى ضربت لحبيبها موعدا ، ولكنها لم تأت ، و إذا كان الحلم تعبيرا عن رغبات مكبوتة ، فهنا يأتى الحلم متسقا مع هذه الرغبة ، لتظهر المفارقة التى من خلالها يعالج الكاتب قضية اجتماعية مفادها تأطير المجتمع للعلاقة بين الرجل والمرأة ، ومصادرة العواطف والمشاعر النبيلة ، وقد هيأ الكاتب لإدخال بطله فى عالم الحلم ، بثلاثة أشياء " أبخرة الخمر فى رأسه ، والخلاء من حوله ، وسكون الليل " ([2])  وهنا يتحرر البطل من وقاره ، والتزامه بقيم المجتمع ، فيرقص " فى تهور ومجون كالشياطين ، أو يقفز فى الهواء كالأطفال ، أو يحجل على قدم واحدة ... ولم يتحرج من الضحك بصوت عال " ([3]) أكثر من ذلك  ينساب البطل مع عالم الحلم ، فيرى نفسه ملكا ، ثم يسمع صوت امرأة " تضحك فى خلاعة واستهتار " ([4]) يستحى منها لظنه أنها الملكة ، لكنه يفاجأ بتكرار هذا الصوت ، ثم تدعوه " بدون خجل إلى خلوة آثمة " ([5]) وعندما لم يستجب لدعوتها ، يأتى صوتها مرعبا أشبه بالفحيح ، إلى أن استبدت بها الشهوة ، فجاء " نداؤها أكثر إلحاحا كأنه العواء " ([6])  ولم يستطع البطل تلبية النداء ، ويحمد للكاتب إجادته فى إخراج بطله من عالم الحلم ، إلى عالم الواقع ، فيجعله يفيق على استغاثة ( المرأة ) فى النهاية ، كما يحدث للمرء فى الحلم ، يستيقظ عند وقوع أمر مثير فى حلمه ، وهذا ما حدث للبطل ، لقد " سمع الصوت ... يتلاشى ويبتعد ...إنه الآن أصبح أشبه بالاستغاثة ... يطلب النجدة ، كأنها الآن فى عرض البحر ، يحاصرها موج متوحش شرس ، ويهددها بالموت غرقا ، وهى  تستنجد فى ضعف وخوف " ([7]) وعندما رجع البطل إلى الواقع أيقن أن ما رآه لم يكن حلما ، لأن ما وقع له  قريب مما يراه فى الواقع  ، و أخذ " يملأ عقله بأن امراة فى مكان ما من شاطىء بلاده الطويل ، امرأة فى شرخ الصبا والجمال ، كانت فى تلك اللحظة تواجه الموت غرقا ، وكان هو يقف مغروسا فى القطران عاجزا عن إنقاذها " ([8])
وفى روايته " هذه تخوم مملكتى " يرحل البطل إلى مدينة عقد المرجان ، ويعيش زمنًا ليس بالقصير ، وفى لحظة انفجار قذائف مدوية تمَّ تصميمها فى هذه المدينة الوهمية ، يرجع إلى الواقع ليرجع إلى مدينة الواقع ، التى كان يعيش فيها ، وانتهت الرحلة الحلمية التى استغرقت ساعة من الوقت ، عاد بعدها إلى بيته ، ليجد زوجته كما رآها ، منذ ساعة ، ورقاص الساعة لم يتقدم من موضعه سوى هذا القدر من الوقت ، الذى سمح له بالذهاب إلى منزله فى المدينة القديمة والعودة منه " ([9]) وفى رواية " نفق تضيئه امرأة واحدة " يجرى البطل وراء ثناء ، يذوب فيها عشقًا ، لتخرجه من محنته النفسية ، وعندما يسبحان معًا ،  ويحاول فى النهاية احتضانها لامتلاك الحلم ، يجد نفسه قد قبض الريح ، فيرجع إلى عالم الواقع ، وعند ما فكر أن يحول هذا الحلم إلى واقع بامتلاكه لجسد سناء ، راغبا أن يكونا " مندمجين متحدين متداخلين .....تدخلين جسدى ، و أدخل جسدك ، نتحد دما ، ولحما ، وعظما ، وعصبا ، وشوقا ، وضوءا ، وطينا " ([10] ) هنا انتهى الحلم واختفت سناء ، تعبيرًا عن استحالة تحقيق عالم الحلم على أرض الواقع .
و فى هذه الرواية نجد خالتى غزالة فى نهاية الرواية تنهى ممارستها لأعمالها الروحانية ، التى بها الشفافية الروحية ، ورؤية الأشياء الخفية ، وقدرتها على استجلاب الخير والقضاء على الشر ، لتمارس عملها فى هذه المؤسسة الخيرية ، حتى فى إعاددتها لجزيرة اطلانتطس .... وإشعارنا بأن هذه الجزيرة قد عادت للوجود ، أكثر من ذلك نجد لورين تجد لوحًا تتذكر أنها كانت تتعلم به الحروف الهجائية ، لكن رغم ذلك يعود بنا الكاتب ، ويلمح بان ما حدث كان إحدى معجزات خالتى غزالة النى اعادتها بطريقتها السحرية ، وكما ذكر فى رواية " نفق تضيئه امرأة واحدة ان ثناء كانت حلما ابتدعه من فيضان مخيلته ، فى هذه الرواية يعترف بأن كل أحداثه اللهم إلا عملًا خياليًا "  جعلت خالتي غزالة بطلة لها، وهو عمل قائم على الخيال، كما هي طبيعة الأعمال الروائية، في عالم الأدب، قديما وحديثا، وما كان لي أن أختار خالتي غزالة بطلة لهذا العمل الأدبي، إلا لما تميزت به حياتها وعالمها من غرائبية، وما يتواتر في البلدة من حكايات عن كراماتها والأعمال الخارقة التي تقوى على القيام بها.... ولابد أن تكون هذه السفينة هي ميدان هذه الشطحات التي يطلقها الخيال، وأن أجعل من زيارة خالتي غزالة للسفينة، بداية لها "( الرواية )
هذه الطاقة الخيالية التى يتمتع بها ذهن الكاتب خلقت نصًا طازجًا جميلًا ، يعتمد على الخيال المتقدَّ فى وصف المشاهد ، وإضفاء المصداقية على الحدث ، كتصويره للطقس السىء الذى أحاط بالسفينة مما ألجأ الطاقم إلى الرسو فى أقرب مدينة تقابلهم " الريح تزدادا عنفا لحظة وراء الأخرى، والسفينة تزداد تطوحا وتأرجحا، وتعالى هدير العاصفة ، مصحوبة بهزيم الرعد، واظلمت الأجواء ، سماء وأفقا وبحرا، إظلاما مطبقا، وجن جنون الموج، وتعالت أقواس الماء، وصارت جبالا تعلو فوق مستوى السطح وتضرب جوانب السفينة كالقذائف، وتأجل تقديم العشاء، لان الصحون والاكواب صارت ترتفع وترتطم بالأرض، والطعام يتناثر فوق الطاولات، ويتطاير في الهواء، ويندلق فوق ملابس الزبائن والجرسونات .." (الرواية )
وتكملة لهذا المشهد يستحضر روح خالتى " غزالة " التى رغم كل هذه العواصف تقف على درجات السلم ، وتررد تراتيلها ، وتذكر الملاك ميخائيل ، الذى استحضره " الذي تجسد في شكل طائر، يرتكز على جانب من السفينة، فاذا بها تتوقف عن الارتجاف، رغم وجود العاصفة، كأنها تتهادي فوق بحر هاديء، ويتبع ذلك أن توقف الموج الذي يضرب السفنية، وتوقف صوت العاصفة، الذي كان يشبه العواء، توقف المطر وصوت الرعد، وانجلى السواد الذي كان يغلف الكون، وأشرقت النجوم في قبة السماء، وصارت المياه التي غمرت السطح تتسرب عبر مسارب " وبعدها يدعو قائد السفينة المسافرين إلى المطعم، لاستئناف تناولهم وجبة العشاء.
خالتى غزالة تستحضر جزيرة اطلانتطس التى مُحيت من الوجود منذ تسعة آلاف عام ، وإذا كانت الفكرة فى حد ذاتها فكرة وهمية ، فبدهىُّ لا نجد مدينة على الطراز الحديث ن مدينة واقعية لحمًا ودمًا ، ولكننا نجد مدينة هولامية ، يجيد الكاتب فى سمها بريشته الادبية وامتلاكه للغة الشاعرية التى تجيد التصوير الخيالى البعيد " وكانت الجزيرة تشع بنور ذهبي ، بسبب انعكاس نور الشمس على آلاف القباب الذهبية التي تميز أبنيتها، وبدا واضحًا أننا نشاهد جزيرة من جزر الأحلام لا تنتمي لعالمنا الأرضي، الذي نعرفه، وتآلفنا معه، حتى المواصلات التي تمر في الطرقات، لم تكن تشبه ما نعرفه من مواصلات عالمنا، وإنما هي عربات مزخرفة ، تجرها خيول مطهمة سروجها بالذهب والفضة، ولا وجود لأية مواصلات حديثة مثل القطار والسيارة والدراجة، وكان الطقس في الجزيرة أقرب إلى الربيع منه إلى الصيف، ولذلك لم يكن غريبا، أن نرى أشجار الورد والياسمين والرياحين تحيط بالأبنية والطرقات، وكان الناس يسيرون وهم يرتدون ملابس تختلف عن ملابس عصرنا،أقرب إلى تلك التي نرى الناس يرتدونها في الأفلام التاريخية التي تتحدث عن الحضارات القديمة في عهد الأوديسة والإلياذة والأنيادة، وغيرها من ملاحم ما قبل الميلاد التي صورتها الشاشة الكبيرة ، وكانت جداريات الفيسفاء التي تغطي الحيطان، والتماثيل الكثيرة المنتشرة في كل ركن من الأركان، والمسلات الشاهقة والأقواس التي تزينها الأكاليل والنقوش المرسومة فوق رخامها، تخلق جؤّا  فريدًا، له طابع فني،  تبدو معه الجزيرة وكأنها متحف من متاحف الفنون " ( الرواية ) وتستطيع بقدراتها الخارقة أن تقضى على قراصنة البحر ومحاولتهم الاستيلاء على السفينة ، بعدما نثرت عليهم سحائب البخور التى تجمدت ونزلت على أنوفهم ، فخدرتهم ، وطلبت من الشرطة المرافقة للسفينة بتقييدهم ، وتخليص السفينة من خطرهم .
-4-
السفينة مسرح الأحداث ، ويمكن أن نعتبرها مكانًا رمزيًّا ، فالسفينة رمز للحياة ، فهى رحلة غير معروفة العاقبة ،كما مرَّ بالسفينة من احداث جسام  ، و السفينة كل يوم هى فى مكان ، كذلك الحياة تتغير بتغير المكان ، ففى كل مكان رست عليه السفينة وجدنا  مكانًا مختلفًا عن غيره ، السفينة رحلة البطل للترفيه والاستمتاع وتجاوز الهموم ، والحياة رحلة مثقلة بالهموم ، رغم حبِّ الناس وارتباطهم بها ، ويتفنن الإنسان  كثيرًا فى تجاوز الهموم بالرحلات وأماكن السياحة ، فالرحلة – هنا – سياحة بحرية ، وكما أن رحلة الحياة لها أجل محدد كذلك رحلة السفينة لها موعد محدد ، والإنسان فى الحياة  يتطلع إلى اكتشاف المزيد من البلاد فى جمالها ومعالمها وأهم مناطقها الأثرية ، كذلك السفينة فى الرواية ، ففى كل مكان نجد الجديد علينا وعلى الراوى المندهش بما يشاهد ، كذلك الحياة فيها الدهشة والاستغراب للجديد ، السفينة كانت أداة هذه الدهشة ، ومن منَّا فى الحياة إذا غاب عن قريته عشرين عامًا ويرجع إلا ويندهش لتغير صورة قريته ، فما بالك بتغير الأمكنة الاخرى ، كذلك السفينة التى اطلعتنا على مستجدات كثيرة للحياة ، ومن هذه المشاهد ما رواه الراوى عن نيويورك ( عاصمة العالم كما يقول ) " فهذه حديقتها المركزية ، وهذا تايمز سكوير، ميدانها الرئيسي ، وهذا جسر بروكلين أحد أكبر وأطول الجسور المعلقة، وهذا تمثال الحرية، وكنيسة القديس بول أكبر كنائسها، وذهبنا بعد ذلك الى جولة في الصندوق الزجاجي كما يسمون مبنى هيئة الامم المتحدة، لنرى الأمكنة التي تصنع منها قرارات مثل القاعة التي يجتمع بها مجلس الأمن والرئيسية لاجتماعات الجمعية العامة، وقاعة ثالثة لانعقاد المؤتمرات الصحفية ، قبل أن ننطلق في جولات حرة لمتاجر ومكتبات ومتاحف الشارع الخامس، ومركز ثقافي  وتجاري وإداري مثل مركز روكفلر وصولا إلى بعض المناطق ذات الخصوصية مثل حي هارلم والمدينة الصينية "
المكان بهذه الصورة ( رمز الحياة المتغيرة وغير الثابتة ) كان له دور فى تشكيل بنية الأحداث ، والشخصيات ، والزمن فى الرواية ، وجدنا الأحداث ذات صبغة خيالية ،وطابع هولامى ( فحياتنا رحلة هولامية ، تفتقد الثوابت واليقين ) وكثيرًا ما تعترض المصاعب حياتنا فى رحلتنا فيها ، وهذا ما نجده فى الرياح  والصواعق والأنواء ، وهذه الأشياء رمز للظواهر الطبيعية التى تعترى مجرى حياتنا ، ومنها ما هو من صنع الإنسان وجدنا ذلك فى محاولة القراصنة الاستيلاء على السفينة ، بحيلة من " خالتى غزالة " عندما نثرت عليهم سحائب من البخور المخدر ، وفشل الراوى فى قصة حبه مع " روزا " يشير إلى قلة حصول الإنسان على محبوبته الأولى ، وظهور " لورين " كبديل عاطفى فى حياة الراوى ، ثم تحولها إيحاء بعدم  ثبات الحب فى حالات كثيرة فى الحياة ، وربما إلى طابع المرأة ( تجرى وراء ما هو فى صالحها ) أو غلى تبدل الحياة كتبدل هذه المرأة رمز الحياة (ألم نقل الدنيا امرأة غزية ترقص فترة لكل من يريدها )  وكذلك " لورين "  التى ارتضت بمبلغ كبير لتصميم  إحدى الموديلات العاريات فى مجلة " جنسية "  حيث عرضوا عليها مبلغا كبيرا لكي تكون فتاة الغلاف ، ورفضت العرض، بطريقة  غير مباشرة، بأن طلبت مبلغا تعجيزيا، فادهشها بقبول دفع المبلغ، مقابل أن تقف بضع دقائق عارية أمام المصورين، وتتقاضى مبلغا يعادل مرتبها لوعملت استاذة للجامعة  لمدة خمسة أعوام فوافقت دون تردد.. وظهرت فى صور مثيرة فى قناة تبث أفلام البورنو .
والزمن فى الرواية لا يخضع للسيمترية ولكنه زمن وإن حدد بالشهر ، ولكن وجدناه زمنا انسيابيًا ، تذكر الماضى لـ " خالتى غزالة " حيث نشأتها فى بيئة دينية متصوفة لها إشراقاتها وروحانياتها ، وتزوجت ومات زوجها ، لتنقطع لحياتها الروحية ،  ومصاحبة الراوى فى السفينة ، وتحقيق إحدى معجزاتها ، بظهور مدينة اطلنتطس التى غابت عن الوجود منذ تسعة آلاف سنة ، إضافة إلى قدراتها الروحية التى جعلت السفينة تتجاوز كل المصاعب ، وكان الكاتب يوحى إلينا بان تجاوز المتاعب فى الحياة يحتاج إلى طاقة روحية ندية ،فالزمن فى الحياة لا يخضع للحظة الىنية التى نعيشها ، ولكنه يرتبط بالماضى ، وتشكيل الشخصيات خضع لعنصر المكان ، الذى اقتضى علاقات وقتية بين الأفراد ، فخريستو ينشىء نادى " الناس الحلوة " ليجمع هؤلاء لمدة شهر نهاية الرحلة ، فالمكان غير المستقر صنع علاقات غير مستقرة بين الشخصيات فـ " لورين " التى تعشقت الراوى ، فى لحظة تركته ، وتكرت السفينة لتبحث عن مصلحتها ،واعضاء النادى فى السفينة جمعته علاقة وقتية انتهت بانتهاء الرحلة ...إلخ . 
رواية " خالتى غزالة " نص له مذاقه الخاص نص جدير بالقراءة والاستمتاع بلذاذته ، نص  متعة للخيال ،  وغذاء للروح ، ومرفأ جميل للخيال المشرق الوضىء ، كل ذلك فى لغة شاعرية وضيئة ، واللغة هى أساس ادبية النص الأدبى .



[1] - هذه الرواية تحت الطبع ، وقد حصلت على نسخة منها على ملف خاص من الكاتب .
[2] -   أحمد الفقيه : ثلاث مجموعات قصصية – مجموعة اختفت النجوم فأين أنت ؟ قصة  اختفت النجوم فأين أنت ؟  منشورات قطاع الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع ، طرابلس ، الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية . ط . 1 عام 1981.ص . 8 .
[3] - م . نفسه ص 5.
[4] - م . نفسه ص 6.
[5] - م . نفسه نفس الصفحة .
[6] - م . نفسه . نفس الصفحة .
[7] - م . نفسه ص 7.
[8] -  م . نفسه ص 9 .
[9] -  احمد إبراهيم الفقيه : هذه تخوم مملكتى   . ط . رياض الريس للكتب والنشر . لندن . قبرص  م . عام 1991 . م ص 154.
[10] - أحمد إبراهيم الفقيه : نفق تضيئه امرأة واحدة . ط . رياض الريس للكتب والنشر . لندن . قبرص  . عام 1991م  ص 246.