2017/12/11

" حدث ذات جدار " " باعوها بعلبة سردين ووقعوا " بقلم د. سمير محمد أيوب



" حدث ذات جدار "
" باعوها بعلبة سردين ووقعوا "
بقلم د. سمير محمد أيوب
تجليات قصصية ، في لوحات مركزة ، مضمونا وإفصاحا ، للمبدعة سناء الشعلان . تحاكي الالتزام بامتياز . تصعد برحلة وعيها الأدبي إلى سوية فلسطين . تروم عبرها بمسؤولية جريئة ، استكمال رصد ما سبقَ لها ، وأن سجلته من وقائع كئيبة مثقلة بعذاباتٍ حسِّية أو تميل إلى الحسية ، تخلخل الحياة اليومية للفلسطيني ، المحاصر بالاحتلال وهزائم الآخرين ، في مجموعتها القصصية التي أصدرتها عام 2015 بعنوان " تقاسيم الفلسطيني " .
وفق غائية منحازة للحياة ، تقتحم الكاتبة بعضا من وقائع العلاقة الصراعية المباشرة ، مع المحتل الذي يتفنن في توظيف كل ادوات الإرهاب والقهر الممنهج ، لتحقيق أهدافه القريبة والبعيدة ، وما يلف تلك العلاقة ، من فضاءات مشحونة بمفردات ، تؤطر لوجع فائض عن قدرة التحمل ، وبرفض فلسطيني سلبي ، أو فعل مادي مقاوم ، للانعتاق من قيود تلك المكابدات اليومية  .
يتحرك الإبداع في هذه المجموعة  ، إلى مناطق شديدة الارتباط ، بالذات المبدعة من جهة ، والقيمة الإنسانية لأصولها الفلسطينية . تتأرجح الأبنية الجمالية فيها ، بين ذوات منفعلة ومتوترة بهمومها اليومية ، وذوات عنصرية تتخفى تجسيداتها الإرهابية على الأرض ، بمنظومة أقنعة ، متغيرة وفق تغير ظروف المجابهة معها  .
تتكون هذه المجموعة من 13 قصة متفاوتة الطول . تمتزج في بناها رؤى جامعة ، تستحضر الأبعاد الحقيقية للمحتل ، في صورته الكلية ، وفي تجسيداته الفرعية في الزمان وفي المكان  . موزعة على  128 صفحة من القطع الصغير . صدرت طبعتها الأولى  عام 2016 ، عن دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع  ، في عمان - ألأردن .
الكاتبة :
لا أجافي الحقيقة حين أقول : أن كل متذوق لهذه التجربة الإبداعية للكاتبة ، كما إبداعاتها الأُخَرْ ، يدرك على الفور أنه أمام موهبة متعددة الأبعاد ، غير متوارية في المشهد الأدبي . تعمل بمهنية رفيعة المستوى ، على تطوير مضامين مشروعها الثقافي وأدواته . مكنها دأبها من إنتاج إرث إبداعي ضخم ، متصل الوميض في كل جنس أدبي قاربته . انتزعت به لنفسها ، مكانة وشهرة مرموقة ، في فضاءات الأدب العربي الحديث والمعاصر .
تتكئ الكاتبة في تجسيد مشروعها الثقافي ، على مخزون لا ينضب ، من أحاسيس وطنية وإنسانية نبيلة . تغرف بجرأة من وعي ثقافي ، قابض على زمام اللغة . لها بصمتها الأسلوبية  ألبانية لنصوصها ، دون أن تحيد عن مقتضياته العلمية .
بدأت سناء رحلة الكتابة في العام 2004، أصدرت في هذه الأثناء 15 مجموعة قصصية . فضلا عن العديد من الإصدارات الروائية والنقدية والمسرحية وقصص الاطفال . تجاوزت الخمسين إصدارا حتى الآن . بالإضافة إلى مئات الدراسات والأبحاث والمقالات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والندوات وورش العمل والمؤتمرات . نحتت لنفسها عبر كل هذا
 النتاج ، ذاتــــاً إبداعية متفردة ، استحقت وفقها ، عشرات الجوائز والتكريم ، في العديد من المحافل الثقافية .
كلما قرأت لهذه المبدعة ، أجد نفسي أمام موهبة تشاغب الواقع وهي تباشره ، مفـتقة أو ملتقطة بوعي ، للمعاني والدلالات الكامنة فيه ، لتتساوق مع غرضها الذي تختاره كثيمة ، تمنح نسيج أعمالها الأدبية ، تماسكا وبعدا ، مطابقا لمقتضيات بناء النص ، ويحقق قصدية الكتابة من التأثر والتأثير ، وفق رؤيتها الآنية لتجليات واقعها .
فخ العنوان :
أوّل ما أثار انتباهي كمتلق ، لهذه المجموعة القصصية ، هو عنوانها السردي الرئيس  " حدث ذات جدار "  . هو فخ مبهر ، أنشأته وأبرزته مبتدعته ، تعمدا لا اعتباطاً . لاتساع مساحة الغوايات المشفرة  فيه ، وانفتاحه أثناء محاولات الفهم ، على عوالم من التكهنات والتأويلات ، وما يتولد أثناء القراءة التفكيكية  ، من جدل حول ثنائية المعنى الحرفي والمعنى المجازي للنص . اختيار اقتضته رغبة الكاتبة في أن لا تبقي المخبوء في خطابها رهين قراءة أُحادية ، ملتبسة التأويل  .
العتبة الرئيسة للمجموعة ،  تشتت أفكار القارئ ، وتحيله إلى مجموعة كبيرة من الرموز والمعاني ، التي يمكن أن يشير إليها الجدار . تستفزه ليتوسَّع في خياله ، لمعرفة ما وراء العنوان .
تَعْتَبِرُ  د. سناء أن العتبات السردية ، بوابات تشاطئ النص ، وتُفضي إلى استلهام عناصره من الداخل . وهي  من أكثر المبدعين العرب تميزاً ، في نحت العتبات السردية الصادمة ببلاغة رمزيتها ، لبعض الصور الذهنية عند المتلقي . تهتم في معظم نصوصها السردية ، بانتقاء العتبات المناسبة لها . ويمكن ملاحظة ذلك في روايتها (السقوط في الشمس) 2004، ومجموعة (الجدار الزجاجي)2005، ومجموعة (مذكرات رضيعة) 2006، ومجموعة (قافلة العطش ) 2006 ، ومجموعة ( مقامات ارض الاحتراق ) 2006 ، مجموعة ( رسالة إلى الإله ) 2009 ، مجموعة ( تراتيل الماء ) 2010 ، مجموعة ( الضياع في عيني رجل ) 2012 ، ورواية (أعشقني ) 2013 ، مجموعة ( عام النمل ) 2014 ، مجموعة ( تقاسيم الفلسطيني ) 2015 ، ومجموعة ( الذي سرق النجمة ) 2015، وهذه المجموعة ( حدث ذات جدار ) 2016.
العتبة الرئيسة :
العنوان جملة فعلية . بدأت بفعل " حدث " ، الدال على نتف من سيرورة كلية ، تتصل بزمان ومكان وأناس محددين . متبوعا بشبه جملة " ذات جدار " . جاءت نكرة فاقدة للتعريف . لتدل على رمزية الجدار الإنشائي المعني .
تتكرر كلمة ” جدار ” في نسيج الرؤية العامة للمجموعة ويشغل مساحة واسعة على امتدادها . تأتي صريحة ، أو يتم الحديث عنها بضمير المخاطب أو بضمير الغائب . توظفها الكاتبة  لتحقيق أغراضها ، دون أن تقصد الجدار كمفهوم معماري ، بل كصفات معينة ، ولدتها الكاتبة من ذاتها ومن ثقافتها ورؤيتها للصراع . وعلاقة هذه الصفات بحياة الفلسطيني في وطنه المحتل .
ولكن ، لماذا اختارت الكاتبة  ثيمة الجدار دون غيرها ؟ فغرضية العدو ، تتخلل بحقد وكراهية وإرهاب ، كل مساحات حياة الفلسطيني و معارجها . ولم تعد هناك جدران تفصل بين عذاب وعذاب .
" حدث ذات جدار " جملة مشبعة بالدلالات . لها إيقاع حسي قوي . في ظل عدو يجيد أبجديات البطش ، تحيل الجدر الى العزل والاعتقال والعنصر ية . من أجل هذا ، اتخذت الكاتبة غموض العتبة شرفة تطل عبرها ، وهي حاضرة الذهن ، حقائق الصراع المتصل مع العدو الصهيوني ، المثقل بإرهاب يومي ، مدجج بمنظومات من أدوات القتل والتنكيل والاستلاب والنفي ، وكل أشكال التكيف والتحدي الفلسطيني ، لبشاعات المحتل ومقاومتها .
رؤية الكاتبة للصراع مع المحتل
تؤمن الكاتبة ، بأن فاقد القدرة على فكفكة رموز الأحتلال ، لا يمكنه الإحساس بوطأته على أصحاب البلد  . ولا يمكنه بالتالي فهم طرق وأدوات مواجهاتهم ومجابهاتهم الفردية والجماعية لمحتلهم . لتضييق أطر إحساسهم بالعجز الناتج عن حرمانهم من إشباع منظومات حاجاتهم الإنسانية .
لتفهم الصراع مع العدو ، استحضرت الكاتبة الكثير من الماضي واستقرأت الحاضر واستشرفت المستقبل . لم تنقصها التفاصيل . غربلت ما رأت وما سمعت . واكتفت بانتقاء بعضها. وربطت بين الجزئيات . وقرأت جيدا . فوجدت أن اغتصاب فلسطين ، جريمة تكاملت فيها كل عناصر العنصرية .
وأن وراء الكثير من الانجازات الميدانية للعدو المحتل ، قوى عربية ، في متاهات الهوان والخراب العربي ، تفوق صهيونيتها أسوأ التوقعات . تعمل في السر وفي العلن ، مباشرة وغير مباشرة ، على تمكين وتعزيز قوى الاحتلال ، ومخططاته.
الثابت الوحيد في هذا الصراع ألذي لا يمكن تجنبه ، هو ألرؤية الإستراتيجية لطرفيه . على أنه صراع وجودي لا حدودي . وأن الصراع على ألجغرافيا ممره الإجباري هو ديموغرافيا العرب الفلسطينيين .
الديمغرافيا الفلسطينية هي المحرك لمخاوف العدو . وهي ألأمل المتحرك لأهل البلد . الفعل ورد الفعل اليومي ، يتفاذف بينهما متشابكا . في الفضاء الديمغرافي ونطاقاته تتمدد فوبيا المحتل .
ألصراع مع العدو ليس وهما ولا غبارا . بل مخططات طويلة الأمد ، وتطبيقات يومية لخلخلة حياة الفلسطيني ، وتفكيك أوصاله ، واقتلاع من لم ينجح حتى الآن في اقتلاعه من أرضه ، ونفيه بعيدا عن فلسطين  .
في ظل فوبيا الديموغرافيا ، يشهد عالم اليقظة في حياة الفلسطيني ، تنويعات وجع ، أعمق من حرب باردة ، وأشرس من حرب عسكرية .  مفردات المعاناة ، ليست كوابيس خيال . مقيمة ليست عابرة أو آنية أو أحادية البعد . وإنما هي سيرورة حياة يومية . تتشكل في لجتها حياة الفلسطيني .اكتفت الكاتبة لغرضها في هذه المجموعة بانتقاء بعضها ، المعبر مباشرة وضمنيا عن المعاناة اليومية .
تدرك الكاتبة ، وهي تقدم شخصيات قصصها وتلاحق حركاتهم وردود أفعالهم الداخلية والخارجية . فإنها لا تلغي من فكرها ما قد ينمو في دواخل طرفي الصراع من مشاعر، تتأثر بتناقضات الصراع ، وارتطاماته اليومية ، التي تفقدهم الكثير من توازناتهم النفسية والتعبير عنها دون حرج .
عتبة الإهداء
افتتحت الكاتبة مجموعتها القصصية ، بإهداء وجّهته إلى بطلين واقعيين . تعتبرهما أسطورة أزمانها ، في الصبر على المكابدة ، والقوة في الصمود ، والعزم في المواجهات للخلاص . البطل الأول بطل عام ، هو شعب الجبارين في فلسطين ، والثاني بطل خاص بالمبدعة هو والدتها .  خاطبتهما بفخر قائلة :
(( إلى من لا تهزمهم الأسوار ، مهما علت وتجبرت ، وإلى امي القامة السامقة الطاهرة ألتي لا تهزم ولا تنكسر )) (ص5 ).
فالإهداء أيقونة تبين قوة العلاقة الوطنية والإنسانية بين الكاتبة وبطليها . الذين تعرفهما عن قرب بالمعايشة اليومية . فليس هناك انفصامٌ بين الذات القاصة وهمومها ، والوطن وهمومه ، بل تفاعل والتزام وتأثير.
وألاحظ أنّ الكاتبة ، تتكئ في إهدائها على صورة لشعب الجبارين ، كبطل أسطوري عاش وما يزال ، في عصر الانهزام والاستسلام العربي الرسمي ، صورة تعطيها القوة والأمل في الاستمرار ، واستعادة وطن محتل ، خاصة حين  تقول : ((لا تهزمهم الأسوار ولا تكسرهم )) ، صامدون في الوطن ، متشبثون  به رغم جمر المكابدة اليومية .
العتبة التقريرية
أما العتبات الصغرى الداخلية للقصص ، بمعنى تلك التي جاءت قبل كل قصة ، فقد مهدت لها بعتبة تقريرية متماسكة ، عن الجدار الإنشائي . تبقي المتلقي قريبا من تضاريس جدار العزل العنصري ومفرداته ، أطلقت عليها اسم : إضاءة على ظلام . جسمت من خلالها ، الماهيات ألمادية ألبشعة للجدار ألمتوحد مع الاحتلال . بما يكفي لإدراكه بالحواس الخمس . وجعلت من مفرداته قنطرة ، يعبرها انتباه القارئ . وتثير توقعاته . وتجعله أكثر تحفزا لسماع ما ستقوله الكاتبة . والانتباه للرموز التي تخاطب ذهنه ووعيه . وتستحوذ عبر منافذ متعددة ، على انفعالات وجدانه ، بالكثير من صور الفعل العنصري ألوارد في ثنايا البناء المعماري لقصص المجموعة . وما ترتب على هذا الفعل العنصري الممتد زمنيا ومكانيا ، من معاناة متصلة ممزوجة بوجع وطن ، وجثث أبناءه . ومشبعا بتدفقات الاقتلاع والنفي والغربة والحنين .
العتبات الصغرى
تتمحور الوحدة العضوية لكل قصة ، حول بؤرة مركزية تربط البناء اللغوي المكثف ، بالاحتلال الذي يتجلى بهيئات عنصرية وإرهابية متعددة ، تتشاكل معه بثيمات دلالية صاخبة .
فمفهوم الجدار فيها ، يتخطى معناه الوجودي ، ليحل ويتحد مع كل الموجودات الفاعلة للمحتل . هذا التماهي اليومي في رؤية المجرد ، من خلال المرئي في الواقع ، يتجسد في القصص علة فاعلة ومحدثة . ويكون وجوده بذات الوقت ، علة غائية . لذا انفردت المجموعة  بعتبات مكثفة . تعتمد على الإزاحة والمفارقة ، التي تثير الدهشة . وتهيئ القارئ لانفتاح مخيلته ، واندماج وعيه مع الغائية المركزية المشفرة للكاتبه . ( وبكى الجدار ) ، ( المقبرة ) ، ( حالة أمومة ) ، ( الصِّديق السِّري ) ، ( شمس ومطر على جدار واحد ) ، ( من أطفأ الشمعة الأخيرة ) ، ( عندما لا يأتي العيد ) ، ( وادي الصراخ ) ، ( الغروب لا يأتي سرا ) ، ( سلالة النور ) ، ( ما قاله الجدار ) ، ( بعيدا عن الجدار ) ، ( البوصلة والأظافر وأفول المطر ) ، ( خرَّافِيَّة أبو عرب ) .
تختتم الكاتبة مجموعتها ، ب " خرَّافية أبو عرب " . تُتْمِمْ بها  ، الوارد في متون العتبات السابقة عليها . وتقلص الالتباس المحتمل الذي قد يحصل للمتلقي .
لسرديات القصص السابقة على هذه القصة ، أهمية خاصة في التأسيس للدخول ، إلى عناصر التشويق في الصراع . وكشف العناصر الماورائية الغيبية ، في جدل العلاقة بين الواقع المثقل بكلّ أشكال العذاب ، والصبر الخارق على المكابدات اليومية ، والمقاومة العجائبية لليأس والإحباط والتحدي ، الواردة في متون العتبات السابقة عليها .
تكشف هذه العتبة ، مدى اغتراف ألمبدعة ، من التاريخ والذاكرة ألجمعية ، والتراث الديني وغيره ، وتكشف أيضاً أن همومها ألوطنية والقومية ، تثقل عليها حياتها . وتدفعها إلى التعبير عن واقع معاش ، بأسلوب أدبي مبدع . يطغى عليه الجانب التعبوي ، الذي تتفتح فيه مناطق تأويلية كثيرة ، لا يمكن حصرها ، إلا بتوجيه ألمتلقي ، إلى الفكرة ألأساسية ألتي يحتويها النص بمجمله . والتي تكشف عن رؤية ألمبدعة للصراع مع العدو المحتل .
العتبات السردية - في " خُرَّافِيَّةِ أبو عرب "
ما شدني إلى وهج هذه الخُرَّافيَّةِ ، وما قد يثير اهتمام المتلقي لها  ، هو عنوانها . المكوَّنٌ من جملة اسمية تبدأ بكلمة " خرافية " . وهي كلمة عامية ، مستعملة بكثرة في السياق اليومي عند كبار السن من الفلسطينيين . وتعني حكاية أو قصة . وهي مشتقة من كلمة خرافة أو أسطوره . وهذا إيحاء مُبْكر إلى أن النص خلطة من وقائع ومن تهويمات . والعنوان مع ما فيه من غموضٍ وحذَر ، لا يشي بوقائع محددة واقعية أو موهومة ، على الإطلاق . فهو دعوة تحض على الدخول ، في ثنايا أبو عرب ، وما يعج بها من حقائق وأساطير ، من خلال ما تروية الجدة عنه .
ثم أعقبت الكاتبة ذلك ، باسم  " ابو عرب " . انتقاء الاسم لم يكن عبثاً عابرا . بل محصلة إيمانِ الكاتبة أن النكبة إرث عربي في فلسطين . وأن تحريرها لا يمكن له أن يتمّ إلا بمحصلة قوى الأمة مجتمعة . من أجل هذا اتّخذت لبطل القصة اسم أبي عرب ، تبركاً وتفاؤلاً وإيماناً بالعرب أجمعين ( صفحة 92) .
قد يرمز الاسم إلى رجل عادي من أمة العرب ، أو إلى سياسي أو مناضل أو قائد ، أو غير ذلك من الناس . ولكن الكاتبة أراحت ألمتلقي من التخمين والتقصي . فأبانت في توطئة القصة ، بلغة بسيطة ذكية ، أنّ " أبو عرب "  فدائي عربي ، من خيرة شباب ألتجربة ألثورية ألفلسطينية . قاتل العدو الصهيوني بالسلاح ، إلى أن تم أسره وهو يقاتل في فلسطين . صمد بصلابة في معتقلات العدو ، رغم بشاعة التعذيب الذي مورس عليه . ( صفحة 92 ).
وبلغة ملتزمة متخطية للمحاذير ، تقول الكاتبة بتكثيف شديد : ما أن خرج أبو عرب من معتقلات العدو الصهيوني ، بعد قضاء محكوميته فيها ، حتى تلقفه سجن عربي ، بتهمة أنه مناضل من أجل تحرير فلسطين . لبث في السجن العربي طويلا . عذبوه هناك ، حتى أفقدوه عقله وذاكرته ، ثم أفرجوا عنه . ليتشرد في الحارات والأزقة العربية الأخرى . ( صفحة 92-93 ).
من هو أبو عرب الآن ؟
على خلفية ومفارقات ما كابد أبو عرب وما يزال ، من حلف الصهاينة  - والمتصهينين ، بات بمظهره الخارجي وشكلانيات منطقه ، موسوما بالجنون . ضائعا في المتاهات العربية . ولكن ، رغم كل ما يتعرض له من تداول المناخات السياسية ، لم يخلع  معطفه العسكري المرقع ، ولا قبعته الجيفارية المهلهلة  . وهنا تود القاصة أن تقول ، أن الثائر الفلسطيني ، رغم كل ما كابد من أعدائه ومن خصومه ،  لا يزال متمسكا بخياره المسلح ( المعطف العسكري المرقع ) ،وثوريته الأممية (قبعته الجيفارية المهلهلة ) .
( صفحة 91-92 )
ومن النقاط اللافتة في عرض د. سناء لشخصية أبو عرب ، ذاك التطابق في سلوكه ، رغم مكابداته الفردية ، وحقيقة مواقفه العملية  من جهة ، ومنطوق خطابه الهجائي والتخويني ألمخادع من جهة أخرى .
فقد رسمت الكاتبة عبر هذا التطابق خواطرها في توصيف ما حدث ، ومواقف الأطراف التي شاركت في صنع ما حدث . بذرت الكثير من الأسئلة . وأسقطت ألكثير من علامات السؤال . وأشهرت وميض أجوبة على النحو الذي يلقي ضوءً مفسرا لبعض وقائع التجربة الفلسطينية في المنافي .
أما زال حيّاً على قيد الحياة ؟
في زمن الانهزام والاستسلام العربي ، تغيرت الوقائع المادية في بعض الحواضن الرسمية حتى قتلوه على قارعة طريق عربية . ( الصفحة 93 ) .
ولكنّه كطائر الفينيق لا يموت ، رغم ما يلفه من مآسي الإحباط ، يبعث حياً من رماده ، المرة تلو الأخرى  ( الصفحة 95 ) . ليتسلل يومياً إلى فلسطين ، متشبثاً برمزيات العصر الذهبي للنضال  . يمتشق جمر الاستشهاد اليومي ،  ليرمم به نفسه المأزومة وروحه المعذبة . ويعطيه الأمل وقوة البقاء . من أجل هذا ، بات أبو عرب متواجداً  في كل مكان من فلسطين وفي المنافي ، بطل أسطوري يتحمل مسؤولياته تجاه وطنه . يقارع العدو رغم عصر الانهزام والاستسلام ويهابه العدو ( الصفحات 94-98 ) . لم يعد فردا مخلوعا من محيطه ، ولا من بعض دواخله ، ولا فاقداً لطعمه أو منتهي الصلاحية . بات في كل ثغور الصمود ومقارعة المحتل . أضحى يملك  كل الأسماء . ويسكن جميع الوجوه والأعمار . ويحكي بكل اللغات .
ماذا يفعل ؟
الكاتبة وهي محقة ، مفتونة بقلب أبي عرب ، المتقد بحب فلسطين . تحاول دون مغالاة ، توظيف جملته الاتهامية في محاربة التواطؤ والتخاذل والإلحاد النضالي والعدمية السياسية . بات أبو عرب ، هو المعبر الحقيقي ، عن تطلعات الفلسطينيين وطموحاتهم وآمالهم . يلعب دوراً أساسياً في تشكيل وعيهم الجمعي . يقارع الظلم اليومي . يسعى إلى التحرير ، بالتنوير واستنهاض ألهمم ، بانتظار اللحظة الأنسب .
عاش "أبو عرب" ، عازفاً عن التنظير ، وعن الشرح الصريح لكل موقف . يضع بعض النقاط على بعض الحروف . ولا يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية . مدركاً في سياق التجاذبات العربية ، محاذير المشي على أكثر من حبل عربي مشدود ، من قبل قوى غير متجانسة . فاعتمد خطاباً تعبوياً ، من جملة اتهامية واحدة . يلامس المستمع حرارتها . ويحفظها عن ظهر قلب . فأبو عرب يصف أحداثاً وأنظمة حكم وقادة ، على النحو الذي يمكن أن يثير امتعاض الكثيرين من الوارثين لمواقعهم . ففي جملته تلك ، أينما أشهرها، ظل أبو عرب ، على الرغم من تبدل الأحوال ، ملتزماً بما تشير إليه من وقائع مثلما يراها.
تستهل الكاتبة خرافية أبو عرب بجملة أدبية جميلة ، مغرقة في الرمزية والتأويل والتعليل . ممزوجة بعنصر التشويق . لتشد المتلقي إلى مغزى القصة : " باعوها بعلبة سردين ووقعوا " ( صفحة 91 وما بعدها ) . ثيمة عميقة ذات أهمية خاصة . تسمح بالنفاذ عبر عتباتها ، إلى لمتن الحكائي للقصة . تقودنا إلى بعض اللقطات . وهي تدخلنا إلى مطبخ السياسة العربية ، في زمن الثورة الفلسطينية .
الغموض المكثف ، في هذه الجملة الافتتاحية ، مثقل إلى حد كبير في الاتهامية التقريرية . وهي تذكر عناصر البيع ، نلاحظ أنّ القاصة بدأتها بذكر الزمن ، وهذا الزمن ممتد منذ بداية النكبة ، حتى الآن .
جملة اتهامية  افتتاحية كهذه ، تحتوي حزناً شفيفاً، يخالج القلب والوجدان… تخدم فكرة النص عامةً ، والإيقاع العام لكل قصص المجموعة  . يكتفي أبو عرب بجملة واحدة اختارها بعناية على سبيل المشاركة لا أكثر . ويصمت اختيارياً عن التلفظ بأسراره . ليأتي غموض صمته ، ليس منفصلا عن تلك الجملة الملتبسة ، بل كامنا في ثناياها .
    فيتحول المسكوت عنه اختيارياً عند أبي عرب ، إلى قول ضمني لدى المتلقي الفطن . ويعمل عبر آليات الإحالة الداخلية في النص ، بواسطة التلميح والافتراض ، على إفهام المخاطَب شيئاً دون كلام .
هيمنت الكاتبة في نصها على عوالم أبو عرب . وتوارت خلف أشكال وتجليات عديدة ، من صمته الاختياري وصمتها الاضطراري . لتوهم المتلقي بحياديتها . ولكن ، عواطفها نحو شخصياتها ، لم تنجح في التخفي . فهي لا تقف عند ظاهر أفعالهم ، بل وهي تصف أفعالهم ، تحكم عليهم دون إطناب . وفق رؤيتها كساردة  للأحداث وتواترها داخل النص ، لتكمل ما لم يقدر أبو عرب عن قوله أثناء تواصله مع الناس ( الصفحات 97-99 ).
خلاصة الكلام
ونحن نودع انثيالات المبدعة د.  سناء في تجربتها الإبداعية هذه ، أقول إنّ تجليات وعيها السياسي وذخيرتها المعرفية ، وإرثها الثقافي ، نجحت بسحر أسلوبها ألمتميز ، في بناء هياكل نصوص سردية ، تحاكي الواقع وتناجيه . وفي أن ترتقي وتتماهى برسائلها نحو مغاز عميقة في فضاءات العمل من أجل فلسطين . وفي أنّ تصهر وجداننا ، في أتون ما يطل علينا ، من شقوق ما يعانيه أهلنا من عذاب متوسع ، نابض بأسى المكابدة ، في وطن ذبيح .
تكمن أهمية " حدث ذات جدار " ، وفلسطين في مفترق الخناجر، وفي فالق الزلازل ، وارتداداتهها الصهيونية والمتصهينة ، بما إشتمل عليه من صرخات غضب مدوية قوية ، في كل الاتجاهات التي شاخت وهرمت ، وانطفات فيها جذوة العزيمة والنخوة والإرادة اللاهثة وراء السراب .
    تتجاوز المبدعة زمن الحدث ومكانه ، فتحول شيئاً من الواقع إلى رصاص  مشفَّرٍ عارمٍ فاعلٍ ،  ينبعث منه تحدي البقاء والأمل اللامتناهي ، في خلق وقائع جديدة على طول جبهات الصراع . 
ولا يسعني ، وأنا كغيري أنتظر المزيد من إبداعات العزيزة الدكتورة سناء الشعلان ، إلا أن أهمس لها : واصلي قصفك ، في نفس الاتجاه .علَّه يمزق الكثير من أقنعة الضياع والتشظي الذي يهيمن على الكثير من  مفردات الحياة الفلسطينية ، في الوطن أو في المنافي .
لكل ما ذكرت ، تستحق هذه المجموعة أن تقرأ بتبصر .
الأردن : 8/12/2017










.

كلية الآداب جامعة عنابة وخصائص الكتابة اللسانية العربية بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقـــة

كلية الآداب جامعة عنابة وخصائص الكتابة اللسانية العربية 
بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقـــة
انعقدت  في رحاب قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة باجي مختار بعنابة   ندوة علمية عن«اللسانيات وتطبيقاتها»نظمها مجموعة من طلاب (الدكتوراه) في  مشروع اللسانيات وتطبيقاتها الذي يشرف عليه الأستاذ الدكتور خليفة صحراوي؛أستاذ اللسانيات التطبيقية بقسم اللغة العربية بجامعة عنابة،وقد جاءت الندوة لتواكب مختلف التطلعات التي يصبو إليها هذا المشروع الذي يهتم بمختلف قضايا اللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات وتحليل الخطاب وأمراض الكلام،كما أنها تأتي تجسيداً للأهداف التي يرمي إلى تحقيقها المشروع المذكور من خلال مختلف حلقاته البحثية، وفي مقدمتها تعزيز الأنشطة العلمية التي تتصل بهذا المجال العلمي الخصب،وتعزيز قيم الحوار العلمي الرصين بين طلاب دكتوراه مشروع اللسانيات وتطبيقاتها والأساتذة المتخصصين في هذا الميدان،إضافة إلى بناء تواصل فاعل بين الباحثين المتميزين في مجال اللسانيات التطبيقية وتحليل الخطاب،والطلاب الذين هم بصدد الانطلاق في أبحاثهم العلمية في مرحلة الطور الثالث من خلال خلق نقاشات علمية ثرية ومتنوعة تتصل بمواضيع الدكتوراه.

     توزعت أشغال الندوة على محورين رئيسين:
 -المحور الأول يتعلق باللسانيات وتحليل الخطاب، وقد تصدى له الباحث الدكتور المكي درار من جامعة وهران.
         و ركز المحور الثاني على الكثير من القضايا التي تتصل باللسانيات وأمراض الكلام،وقد أشرفت عليه الباحثة الدكتورة سعاد بسناسي من جامعة وهران،حيث حرصت في مداخلتها على إبراز مجموعة من الرؤى والأفكار التي ترتبط بهذا الموضوع.
        استهلت الجلسة الافتتاحية للندوة بكلمة الأستاذ الدكتور خليفة صحراوي التي رحب فيها بالحضور،وتوجه بالشكر إلى الأستاذين الفاضلين على تلبيتهما الدعوة،وقدم نبذة تعريفية بمشروع اللسانيات و تطبيقاتها الذي يشرف عليه،وسلط الضوء على مختلف القضايا العلمية التي تسعى الندوة إلى إثارتها والتوقف معها،كما أبرز الدكتور خليفة صحراوي في كلمته الحركية التي يتميز بها هذا المشروع،وما يهدف  إلى تحقيقه.
        من خلال متابعتنا لبعض فعاليات هذه الندوة المتميزة بدا لنا أن الهدف البعيد لها هو مواكبة مختلف التطورات التي عرفها هذا العلم الذي يشهد حراكاً فاعلاً ومؤثراً خلال السنوات القليلة المنصرمة مؤذناً بتطورات علمية كبيرة،فكما هو معروف أن اللسانيات هي الدراسة العلمية للغة البشرية،وهي تركز أبحاثها على اللغة،وتتخذها موضوعاً رئيساً لها،وتنظر إليها على اعتبار أنها غاية وليست وسيلة،وقد اشتهرت دعوة سوسير إلى دراسة اللغة لذاتها وفي ذاتها،وهذا ما اعتبره الكثير من الدارسين فتحاً علمياً جديداً،حيث يقول الدكتور عبد السلام المسدي مبرزاً أهمية اللسانيات:«...ومن المعلوم أن اللسانيات قد أصبحت في حقل البحوث الإنسانية مركز الاستقطاب بلا منازع،فكل تلك العلوم أصبحت تلتجئ-سواء في مناهج بحثها أو في تقدير حصيلتها العلمية-إلى اللسانيات وإلى ما تفرزه من تقريرات علمية وطرائق في البحث والاستخلاص.ومرد كل هذه الظواهر أن علوم الإنسان تسعى اليوم جاهدة إلى إدراك مرتبة الموضوعية بموجب تسلط التيار العلماني على الإنسان الحديث،ولما كان للسانيات فضل السبق في هذا الصراع فقد غذت جسراً أمام بقية العلوم الإنسانية من تاريخ وأدب وعلم اجتماع، يعبُره جميعها لاكتساب القدر الأدنى من العلمانية في البحث،فاللسانيات اليوم موكول لها مقود الحركة التأسيسية في المعرفة الإنسانية لا من حيث تأصيل المناهج وتنظير طرق إخصابها فحسب،ولكن أيضاً من حيث إنها تعكف على دراسة اللسان فتتخذ اللغة مادة لها وموضوعاً.ولا يتميز الإنسان بشيء تميزه بالكلام،وقد حده الحكماء منذ القديم بأنه الحيوان الناطق،وهذه الخصوصية المطلقة هي التي أضفت على اللسانيات -من جهة أخرى-صبغة الجاذبية والإشعاع في نفس الوقت.فاللغة عنصر قار في العلم والمعرفة سواء ما كان منها علماً دقيقاً أو معرفة نسبية أو تفكيراً مجرداً. فباللغة نتحدث عن الأشياء وباللغة نتحدث عن اللغة-وتلك هي وظيفة ما وراء اللغة-ولكننا باللغة أيضاً نتحدث عن حديثنا عن اللغة.بل إننا باللغة-بعد هذا وذاك-نتحدث عن علاقة الفكر،إذ يفكر باللغة من حيث هي تقول ما نقول.فكان طبيعياً أن تستحيل اللسانيات مولداً لشتى المعارف،فهي كلما التجأت إلى حقل من المعارف اقتحمته فغزت أسسه حتى يصبح ذلك العلم نفسه ساعياً إليها،اقتحمت الأدب والتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع ثم اتجهت صوب العلوم الصحيحة فاستوعبت علوم الإحصاء ومبادئ التشكيل البياني ومبادئ الإخبار والتحكيم الآلي وتقنيات الاختزان في الكمبيوتر،وآخر ما تفاعلت معه من العلوم الصحيحة حتى أصبح معتنياً بها عنايتها به علم الرياضيات الحديثة لاسيما في حساب المجموعات،وهكذا تسنى للسانيات أن تلتحق بالمعارف الكونية إذ لم تعد مقترنة بإطار مكاني دون آخر،فهي اليوم علم شمولي لا يلتبس البتة باللغة التي يقدم بها،وفي هذه الخاصية على الأقل تُدرك اللسانيات مرتبة العلوم الصحيحة بإطلاق...» (يُنظر:التفكير اللساني في الحضارة العربية،الدار العربية للكتاب،ليبيا،ط:02،1986 م،ص:9-10).
        وفي السياق نفسه يؤكد الدكتور محمد الحناش على أن اللسانيات فرضت وجودها على كل ميادين المعرفة الإنسانية،لأنها تبحث في أصول آلية الإنتاج العلمي التي تفرز بها كل العلوم:اللغة،فقد استطاعت إعادة هيكلة ومنهجة جل العلوم الإنسانية الحديثة وجعلتها سهلة التناول كما جعلت المثقف يجدد نفسه باستمرار ،فدور«اللسانيات الحديثة هو إعادة هيكلة قواعد النحو العربي من منظور جديد فتقدمها بطرائق أخرى تكون أكثر ملاءمة مع التطور الذي حصل في المجتمع العربي،وهذا التمنهج لا يعني الانتقاص من قيمة التراث اللغوي بل هو تأكيد لقيمته لأن نقطة الانطلاق سوف تكون هي التراث،ونعتقد أن اللسانيات ستمكن القارئ العربي للتراث أن يموضع نفسه في موضع قوة من حيث إنه سوف يتطرق إليه بأداة علمية ومضبوطة يحسن تقديمه للآخرين بطرائق سهلة تمكنهم بدورهم من إعادة قراءة التراث ومسايرة ركب التطور،وخلاصة هذا هي أن التراث واللسانيات الحديثة يجب أن يدخلا في علاقة الألفة والتمنهج وبذلك تدخل الأصالة والمعاصرة في تحالف لا ينفك إلا بعد أن يكتمل المنهج اللغوي الذي نرجوه لهذه الأمة»(يُنظر:البنيوية في اللسانيات،دار الرشاد الحديثة،الدر البيضاء،المغرب الأقصى،ط:01،1980 م ،ص:6).
         وبالنسبة إلى مراحل دخول اللسانيات إلى الثقافة العربية الحديثة فالدكتور مصطفى غلفان يذكر أن الدراسات اللغوية العربية الحديثة قطعت أشواطاً هامة نحو الضبط والدقة بعد مراحل عديدة من المخاض والنمو،وقد أجملها فيما يلي:
«أ-إرسال البعثات العربية إلى الجامعات الغربية.
ب-القيام بدراسات جامعية أو أطروحات من قبل طلاب عرب في جامعات أوروبا وأمريكا بالخصوص وتناولت وصف الواقع اللغوي العربي من وجهة نظر مختلف المدارس اللسانية الغربية،وما زالت هذه العملية قائمة إلى اليوم.
ج-إنشاء مجموعة من الكراسي الخاصة بعلم اللغة كما هو الشأن في الجامعات المصرية،وقد تم تدريس علم اللغة في جامعات عربية أخرى كسوريا والعراق تحت اسم فقه اللغة.
د-ظهور كتابات لغوية تعرف بعلم اللغة الحديث وتشمل مؤلفات وكتباً صنفها أصحابها بالعربية رأساً وتناولت مفاهيم ألسنية بالتبسيط والتقديم التعميمي،نذكر منها على سبيل التمثيل كتاب وافي(علم اللغة)1941م وتمام حسان في(مناهج البحث في اللغة)الصادر سنة:1955م ،و(اللغة بين المعيارية والوصفية)الصادر سنة:1957م،و(علم اللغة:مقدمة للقارئ العربي)لمحمود السعران الصادر سنة:1962م.
هـ-ظهور ترجمة عربية لبعض المقالات اللسانية وتلاها عدد ضئيل من التراجم العربية لأهم المؤلفات الغربية المتعلقة بالألسنية العامة،في هذا السياق كانت ترجمة مندور لمقال مايي(علم اللغة)سنة:1946م،وترجمة كتاب(اللغة)لفندريس سنة:1950م،وإنشاء مراكز علمية خاصة بالبحث اللساني كما هو الحال في تونس سنة:1964م،والجزائر سنة:1971م.
ز-تنظيم ندوات ولقاءات علمية محلية وجهوية ودولية في مجال اللسانيات وكان للسانيي تونس والمغرب دور بارز ومشكور في تنظيم مثل هذه الندوات.
ج-إنشاء تخصصات قائمة الذات في اللسانيات العامة بكليات الآداب بالجامعات العربية،لاسيما في تونس والمغرب اللذين يتميزان عن غيرهما من دول العالم العربي في هذا المجال» (يُنظر:اللسانيات في الثقافة العربية الحديثة-حفريات النشأة والتكوين-،شركة النشر والتوزيع المدارس،الدر البيضاء،المغرب الأقصى،ط:01،2006 م ،ص:146-147).
       و يرى الدكتور  مصطفى غلفان في تقييمه لواقع البحث اللساني في الوطن العربي أنه ينبغي الاستعجال بالتركيز على قضيتين أساسيتين،وذلك بغرض إرساء تفكير لساني علمي بالنسبة إلى اللغة العربية:
        أولاً:وضع برنامج عام بالنسبة إلى مستقبل لسانيات العربية تُحدد من خلاله المهام الملقاة على عاتقها أو التي يتوجب البحث فيها بشكل جماعي ومؤسساتي مثل:معاهد البحث و الكليات المتخصصة،ووفق رؤية الدكتور غلفان أنه باستثناء أبحاث عبد القادر الفاسي الفهري وتلامذته في إطار تطبيق النحو التوليدي على اللغة العربية،وأبحاث أحمد المتوكل في إطار إعداد نحو وظيفي للغة العربية،فليس لدينا كما هو الشأن في مختلف بقاع العالم،و بالنسبة لجميع اللغات البشرية رؤى واضحة تتصل بالقضايا التي ينبغي دراستها من منظور اللسانيات في لغتنا العربية.
        ثانياً: تحديد طبيعة لسانيات العربية انطلاقاً من تحديد تصوري ونظري لموضوعها،ويذهب الدكتور غلفان في توضيحه لهذه القضية إلى التأكيد على أننا في حاجة إلى حركة لغوية علمية جديدة تقوم على رصد خصائص وسمات اللغة العربية التي يتعين البحث فيها عبر مختلف المستويات،فالدرس اللساني العربي الحديث والمعاصر-كما يرى الدكتور مصطفى غلفان- يفتقد في مجمله إلى رؤية منهجية تحدد طبيعة اللغة العربية من حيث هي موضوع للدرس والتحليل،أي باعتبارها مصدراً للمعطيات المادية التي يشتغل بها اللسانيون العرب المحدثون أو التي يفترض أن يشتغل بها هؤلاء،فالدرس اللساني العربي هو في حاجة إلى تأسيس نظري لموضوعه،وذلك حتى يستجيب لإحدى أهم المتطلبات المنهجية في البحث اللساني العام والمتمثلة إجمالاً في تحديد مجموع الأدوات المعرفية والتقنيات التي تستخدمها اللسانيات لتحديد موضوعها والبحث فيه،ويشير الدكتور غلفان إلى أنه بحسب وجهة النظر التصورية المتبعة في التحليل اللساني، فإن موضوع اللسانيات هو المتن بالنسبة للبنويين،وهو حدس المتكلم بالنسبة إلى المدرسة التوليدية وغيرها من التيارات اللسانية المعاصرة،وما هو أهم في الفترة المعاصرة هو التقيد المطلق بالأسس اللسانية وخطواتها وإجراءاتها كما هي باعتبارها تشكيلة نظرية ومنهجية متكاملة.
          ومن جهة أخرى يرى الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري أن الكتابات اللسانية العربية الحديثة هي عبارة عن خطاب لساني هزيل نظراً لافتقادها لمقومات الخطاب العلمي،ويُرجع هزالة الإنتاج العربي في ميدان اللسانيات إلى عدد من المغالطات التي ترسخت في أذهان الباحثين  العرب،ومن أبرزها:
1-التصور الخاطئ للغة العربية.
2-التصور الخاطئ للتراث.
3-ادعاء العلمية و المنهجية.
4-أزمة المنهج واللغة الموصوفة.
            أما اللسانيات التطبيقية التي انصبت على مختلف اختصاصاتها وفروعها أغلب المداخلات والمناقشات التي دارت خلال الندوة التي نُظمت بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة عنابة، فهي تؤدي دوراً بارزاً في تحليل العملية التعليمية وترقيتها،حيث إنها تجيب على مختلف التساؤلات العلمية والبيداغوجية التي تواجه معلم اللغة،واللسانيات التطبيقية لا تقتصر على جانب واحد فقط الذي يحصره البعض في التعليمية،بل تنفتح على الكثير من الحقول المعرفية،مثل:صناعة المعاجم واللسانيات الآلية،واللسانيات الاجتماعية والنفسية،والتخطيط اللغوي، والتحليل الأسلوبي،  والإلقاء، وعيوب النطق و أمراض الكلام،  إضافة إلى أنظمة الكتابة، وعلم اللغة الإحصائي، وتعدد اللغات في المجتمع ، والترجمة التي يعدها الكثير من المتخصصين في هذا المجال ميداناً خصباً لاستثمار التجربة العالمية في مجال اللسانيات التطبيقية و اللسانيات التقابلية التي توظف بشكل كبير لترقية طرائق تعليم اللغات ومن ثمة تعليم الترجمة، ويمكن أن نستشهد في هذا المجال بقول الدكتور أحمد حساني بغرض التمييز بين اللسانيات التطبيقية واللسانيات التقابلية،حيث يقول:«فإن اللسانيات التقابلية بوصفها فرعاً من اللسانيات التطبيقية لها شرعية الحضور الإلزامي في حقل الترجمة لتقدم إجابات علمية كافية ومعززة،مرجعياً وإجرائياً،لكثير من الأسئلة التي تثيرها إشكالية التداخل بين الألسن،ولتذلل الصعوبات والعوائق التي تعترض الأستاذ أو الطالب أو هما معا في الوسط التعليمي للترجمة بوصفه وسطاً متعدد الألسن والثقافات.
     إن أدنى تأمل في المسار الذي سلكته اللسانيات في جيلها الثاني(اللسانيات التطبيقية،واللسانيات التداولية،واللسانيات النصية،ولسانيات المدونة،ولسانيات الملفوظ...)يهدي إلى أن اللسانيات التقابلية هي فرع من اللسانيات التطبيقية أخذت مسارها العلمي في الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة ابتداءً من سنة:1950م،كانت في بداية أمرها مقارنة دقيقة بين لغتين على المستوى الصوتي والتركيبي والدلالي من أجل إبراز أوجه الاختلاف والتمايز،ومن ثمة وضع طرائق تعليمية لتذليل الصعوبات التي تعترض المتعلم للغة أجنبية تختلف عن لغته الأم.
          تضطلع اللسانيات التقابلية بمهمة لسانية تطبيقية وتعليمية إجرائية هادفة في مؤسسات تعليم اللغات،إذ لها حضور فعلي في تحضير المحتويات التعليمية،وتكوين التمارين والاختبارات ذات التصحيح المسبق التي لها علاقة مباشرة بالاختلافات،أو ما يسمى بنقاط الارتكاز بين اللغات.
         تقر اللسانيات التقابلية منذ البدء بأن اللغات مختلفة بالضرورة،وأن اللسانيات بوصفها العلم الذي يعكف على دراسة اللغات متجانسة،فهي إذ ذاك ليست مطالبة فقط بوصف هذه اللغات،وإنما هي مطالبة أيضاً بالمقارنة بين هذه اللغات لمعرفة نقاط التلاقي ونقاط التباين،مهما يكن من أمر فإن نظريات بعض اللسانيين الأنثروبولوجيين حول عدم قابلية اللغات للاختزال،ونوعية الرؤية إلى العالم،وحول فرضية وحدة اللغة وعلاقتها بالفكر،هي التي عمقت أكثر أهمية اللسانيات التقابلية.
        أضحت اللسانيات التقابلية مرتبطة بفرضيات محددة ودقيقة تفيد من علم النفس التربوي حول طبيعة الأخطاء ودورها في تعليم اللغات،ومن ثمة فإن موضوع اللسانيات التقابلية الغالب هو التنبؤ بالأخطاء والتهيؤ إلى وصفها وشرحها وتذليل الصعوبات المختلفة الناتجة عن تأثير اللغة الأم،ولذلك فإن الحلول العلمية التي توفرها اللسانيات التقابلية هي موجهة لواضعي البرامج العلمية وأساتذة اللغات أكثر من المتعلم ،فهي تتوخى تطوراً نوعياً من أجل مقاربة اللغة الثانية انطلاقاً من وظيفة اللغة الأم.
      تنتمي اللسانيات التقابلية،حينئذ، إلى المقاربات اللسانية التطبيقية في ميدان تعليم اللغات،فهي إجراء تقابلي يسعى إلى إيجاد إجابات علمية كافية للمشاكل التي يطرحها التعدد اللغوي في الوسط التعليمي،بخاصة فيما يتعلق بتعليم لغة أجنبية بالطرائق نفسها المستخدمة لتعليم اللغة الأم.
      تنطلق اللسانيات التقابلية من تحليل الأخطاء التي تظهر في الملفوظات التي ينجزها المتعلمون المبتدئون،وذلك لمعرفة أسبابها وعلاقتها بالكفاية اللغوية لدى المتعلم وضبط مجالها في اللغة الأم واللغة الثانية المراد تعليمها...
        تسعى اللسانيات التقابلية إلى وضع منهجية متميزة لترقية التلاقي بين اللغات،منهجية قابلة للتطبيق في كل حالات التعدد اللغوي،سواء أكان الأمر يتعلق بالترجمة أم بتعليم اللغات»»(يُنظر:تعليميات اللغات والترجمة،بحث في المفاهيم والإجراءات،مجلة المجمع الجزائري للغة العربية،العدد الأول،ربيع الأول1426هـ/ماي2005م،ص:108 وما بعدها).
        لقد حاولت من خلال هذه التعريفات التي تتصل باللسانيات العامة واللسانيات التطبيقية أن أضع القارئ في صورة الإشكال الرئيس الذي عالجته الندوة،والذي يرتكز على اللسانيات التطبيقية بمختلف فروعها،ومن خلاله تُستشف جملة من الإشكالات الفرعية يتناولها الباحثون كل وفق مجال اهتمامه واختصاصه واجتهاده.
             لقد اجتمع من خلال هذه الندوة التي أشرف على تنظيمها وترأسها الأستاذ الدكتور خليفة صحراوي مجموعة من الباحثين في مرحلة الدكتوراه مع لفيف من الأساتذة المتخصصين ليتدارسوا جملة من القضايا المتعلقة باللسانيات واللغة العربية،فقد قدم طلاب مشروع اللسانيات وتطبيقاتها عدة مداخلات قيمة تتصل بموضوع اللغة العربية واللسانيات وتحليل الخطاب،كما قام مجموعة من الطلاب بعرض النتائج التي توصلوا إليها في أبحاثهم التي أنجزت في مرحلة(الليسانس)و(الماستر)،وقد دعمت هذه النتائج بالنقاش والتحليل من قبل الدكتور المكي درار،والدكتورة سعاد بسناسي من قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة السانية في وهران.
      فقد   انتظمت الندوة على شكل مناقشات علمية مفتوحة وموسعة،وانفتحت على مواضيع متنوعة تتصل باللغة العربية وآفاقها وتطورات البحث اللساني،ومن بين الطلاب الذين أسهوا بشكل فاعل في إثراء النقاش:جميلة غريب وفريدة مرايحية وزينب خلاف و نعيمة كناز وبلال نويري ،ومن أبرز الأساتذة الذين قدموا مداخلات علمية موسعة الأستاذ الدكتور أحمد حابس الذي تحدث عن جملة من القضايا العلمية المتصلة بصناعة المعاجم وأمراض الكلام،إضافة إلى الأستاذ الدكتور علي خفيف الذي تطرق إلى مجموعة من المواضيع التي ترتبط بواقع اللغة العربية في وسائل الإعلام،حيث قدم عدة أمثلة عن قيام بعض وسائل الإعلام المرئية بالتركيز على الحديث بالعامية وتجنب اللغة الفصيحة،وهذا الأمر كما يرى الدكتور علي خفيف يعد تجسيداً لدعوات قديمة تهدف إلى ترسيخ العامية وتهميش اللغة الفصيحة.
            وقد تحدث بعض الطلاب عن تكنولوجيات الاتصال الحديثة ومدى إمكانية توظيفها في خدمة اللغة العربية من خلال حوسبتها،كما ناقشوا جملة من الإشكاليات التي تتصل بالمحتوى العربي الإلكتروني،وتمت الإشارة إلى مشروع «الذخيرة العربية»،وهو المشروع الذي يُشرف عليه العلاّمة الجزائري عبد الرحمن الحاج صالح، و يعُرف بأنه عبارة عن«بنك آلي من النصوص العربية القديمة والحديثة مما أنتجه الفكر العربي،فهو ديوان العرب في عصرنا فسيكون آلياً أي محسوباً وعلى شبكة الأنترنت،وهو بنك آلي أي قاعدة معطيات حسب تعبير الاختصاصيين في الحاسوبيات،وهو بنك نصوص لا بنك مفردات أي ليس مجرد قاموس،بل مجموعة من النصوص مندمجة حاسوبياً ليتمكن الحاسوب من المسح لكل النصوص دفعة واحدة أو جزء منها كبيراً كان أم صغيراً أو نصاً واحداً وغير ذلك،فهذا المسح الآلي للنصوص(العجيب السرعة)هو شبيه بالمسح المؤدي إلى فهرسة الأعلام والمفاهيم وأسماء الأماكن وغير ذلك من جهة، أي إلى استخراج كل هذا وحصره وترتيبه مع شيء إضافي جديد وهو استحضار سياقاته وذكر المرجع الكامل الدقيق.ويزيد على ذلك الحاسوب الإحصاء وتحديد تردد العناصر في النص الواحد أو في أكثر من نص،للذخيرة صفة أخرى تمتاز بها عن غيرها،وهي أنها ذخيرة مفتوحة على المستقبل غير معّلقة مثل أكثر ما هو مكتوب فهي قابلة للزيادة والتجديد للمعلومات العلمية والتقنية وفوق كل شيء قابلة لتصليح الأخطاء في كل وقت.
  وبالنسبة إلى محتوى الذخيرة،فهي تنقسم إلى جانبين:
-ثقافي(و علمي تربوي)وجانب خاص باللغة العربية وذلك بحسب توظيفها ونوعية الأسئلة الملقاة عليها إلا أن محتواها من النصوص يُهم الجانبين معاً.
  فسيكون فيها في المرحلة الأولى والثانية(وربما تكفي الأولى بالنسبة للتراث):
-النص القرآني بالقراءات السبع وكتب الحديث الستة.
-أهم المعاجم اللغوية(الوحيدة اللغة والمزدوجة) .
-الموسوعات الكبرى العامة العربية الأصل والمنقولة عن اللغات الأخرى.
-عينة من الكتب المدرسية والجامعية القيمة(الرائجة في الوطن العربي أو في بلد واحد).
-عينة من الكتب الخاصة بإكساب بعض المهارات(منها تعليم اللغة العربية)على الطريقة الحاسوبية.
-عينة من الكتب التقانية القيمة.
-عينة كبيرة من البحوث العلمية والثقافية القيمة المنشورة في المجلات المتخصصة.
-عينة كبيرة من المقالات الإعلامية الصحفية والإذاعية والتلفزيونية والحوارات والمداخلات المنطوقة في اللقاءات العلمية وغيرها.
-أهم ما حُقّق ونُشر من كتب التراث الأدبية(و الشعرية خاصة)والعلمية والتقنية من الجاهلية إلى عصر النهضة.
           وحجم هذه النصوص هو-حتى في المرحلة الأولى-ضخم جداً،ويبرر أصحاب المشروع هذا الحجم الكبير جداً بضرورة التغطية الواسعة للاستعمال الحقيقي للغة العربية قديماً وحديثاً،لأنه يمثل أولاً اللغة الحية النابضة بالحياة في كل الوطن العربي وثانياً أفكار العرب وتصوراتهم وفنونهم وعلومهم وأحوال حياتهم الاجتماعية والدينية والسياسية وبالتالي تاريخهم الاجتماعي وتطور كل ذلك عبر الزمن»(يُنظر:من أخبار مشروع الذخيرة العربية(أو الانترنت العربي)،وثيقة رسمية أعدت من طرف مجموعة من الخبراء بطلب من الأمين العام لجامعة الدول العربية لدراسة هذا المشروع وتقديمه للجامعة،مجلة المجمع الجزائري للغة العربية،العدد الثاني،ذو القعدة1426هـ/ديسمبر2005م،ص:263 وما بعدها).
         وفيما يتعلق بأهداف الذخيرة المحوسبة وفوائدها،فمن الجانب الثقافي«فهدف الذخيرة هو تمكين أي باحث أو طالب أو تلميذ(وأي مواطن)أن يتحصل في وقت وجيز وفي أي وقت المعلومات التي يحتاج إليها للقيام ببحث أو إنجاز مشروع أو لسد ثغرات في معلوماته أو تحصيل كل ما جد في ميدان معين أو استفسار عن معلومات في شتى الميادين في الوقت الحاضر أو فيما مضى وغير ذلك ثم من جهة أخرى ولمن يرغب في ذلك:الحصول على مهارات معينة في ميادين معينة توجد فيها طرائق تعليم يتم بالحاسوب.
         أما الجانب اللغوي فيمكن للباحث أن يتحصل على معلومات أيضاً في وقت وجيز ولولا الحاسوب لتعذر عليه ذلك تماماً في أغلب الأحوال أو قضى للعثور على بغيته الأسابيع والشهور،وذلك لحصوله على معرفة وجود كلمة معينة أو عدم وجودها في نص أو عدة نصوص أو في عصر كامل وترددها إن وردت مع حصر جميع سياقاتها وكذلك هو الأمر بالنسبة للجذور والصيغ والتراكيب وأنواع الأساليب والأمثال وكل ما يخص اللغة وعناصرها وبناها ومجاريها على اختلاف أنواعها.
      ويعتقد مجموعة من الخبراء الذين يشرفون على مشروع الذخيرة اللغوية أنه سيكون دافعاً قوياً للكثير من الحركات والأعمال العلمية وغيرها:
-سيكون حافزاً قوياً لنشر اللغة العربية السليمة في جميع الميادين العلمية والتكنولوجية.
-وحافزاً للشباب لاختيار الشعب العلمية والتكنولوجية.
-و حافزاً قوياً لحركة تحقيق المخطوطات وإحياء التراث.
-ودافعاً لتوحيد المصطلحات العلمية والتقنية العربية.
-ودافعاً للتعريف الواسع والعميق للتراث العربي.
-ومساعداً عظيماً لتوسيع معلومات النشء الصغير وطلاب الجامعات والمثقفين عامة.
-ومساعداً عظيماً لا مفرّ منه لأعمال المجامع اللغوية العربية كمرجع موثوق به.
-ومساعداً في إكساب المهارات في شتى الميادين.
-و مصدراً عظيماً لشتى الدراسات اللغوية والاجتماعية والتاريخية والعلمية وغير ذلك.
-ومصدراً آلياً ومرجعاً لا بد منه في صنع المعاجم على اختلاف أنواعها:المعجم التاريخي للغة العربية،معجم ألفاظ الحياة العامة،معجم المترادف والمشترك والمتجانس ومعاجم المعاني وغير ذلك»»(يُنظر:من أخبار مشروع الذخيرة العربية(أو الانترنت العربي)،وثيقة رسمية أعدت من طرف مجموعة من الخبراء بطلب من الأمين العام لجامعة الدول العربية لدراسة هذا المشروع وتقديمه للجامعة،مجلة المجمع الجزائري للغة العربية،العدد الثاني،ذو القعدة1426هـ/ديسمبر2005م،ص:266،وص:274).
            وقد ارتأى بعض الباحثين خلال ندوة اللسانيات وتطبيقاتها أن يوجهوا النقاش إلى واقع اللغة العربية في عصرنا الراهن وما تعرفه من تحديات،فقد طرحت الطالبة جميلة غريب مجموعة من الأسئلة التي تتصل بواقع اللغة العربية،وتطورها،ومختلف التحديات التي تواجهها،  فلغتنا العربية  تتميز   بتاريخها العريق، وتراثها الزاخر، وقد ظلت على مر العصور والأزمنة لغة العلم، والفكر، والحضارة الإنسانية، وهي واحدة من أشهر اللغات السامية دخلت مختلف مجالات الحياة الإنسانية،و العلمية،والثقافية، والحضارية«وقد تطورت وازدهرت منذ القدم نتيجة اهتمام العلماء، ومحاولاتهم المستمرة في معالجتها، ومعرفة أسرارها، وتوظيفها، واستخدامها في مختلف العلوم،لعبت دوراً مهماً في سلسلة التطور الحضاري،وقدمت عن طريق أبنائها المخلصين إضافات مضيئة، ومعلومات أصيلة أدت إلى تقدم العلوم في شتى مناحي الحياة البشرية،كيف لا وهي لغة شريفة مقدسة،لغة القرآن الكريم الذي أُنزل على أنبل بني البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،قال تعالى:  كذلك أوحينا إليك قُرآنا عربياً،سورة الشورى، الآية:07.وقال عز وجل :  كتاب فصلت آياته قرآنا عربياً لقوم يعلمون سورة فصلت، الآية:03 وقال تعالى:  إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون،سورة يوسف، الآية:02.
        وهذه الآيات تثبت مكانة اللغة العربية،وتدل على إمكانية نمائها وتطورها، وقدرتها  على استيعاب مختلف العلوم،كما تتسم بأنها غنية بمفرداتها، وتراكيبها، وجمال أساليبها، وأصالتها،وعراقتها،بل وقدسيتها،فهي ماضينا، وحاضرنا، ومستقبلنا المشرق،وهويتنا، وأصالتنا التي تساعد على وحدتنا واستمرارنا، ووعاء يجمع شملنا في هذا العصر»»(يُنظر: د.عايد حمدان سليمان الهرش:الحاسوب وتعلم اللغة العربية،مجلة العلوم الإنسانية،مجلة تصدر عن جامعة منتوري بقسنطينة،الجزائر،العدد:12، ديسمبر1999م، ص:218 ).
           إننا كثيراً ما نسمع في عصرنا الراهن أن لغتنا العربية غير قادرة على استيعاب الثقافات المعاصرة، وقاصرة عن مواكبة التطورات التقنية، والتكنولوجية في عصر الانفجار العلمي،فكيف أن العربية التي ظلت لغة الحضارة، والتكنولوجيا طوال القرون الوُسطى تعجز عن استيعاب الثقافات في هذا العصر،ولماذا لم نجد أحداً من العلماء العرب القُدامى يشتكي من عجز اللغة العربية،فصدر  العربية فسيح يتسع كل يوم لمصطلحات العلم، ومقتضيات الحضارة«فقد أثبتت اللغة العربية على مرّ العصور،وبما لا يقبل الشكّ أنها قادرة على استيعاب ألفاظ الحضارة، والمصطلحات العلمية والفنية«لقد كانت آخر العهد الأموي، وفي أوائل العصر العباسي وجها لوجه مع العلوم الإغريقية، والأدب الفارسي، والحكمة الهندية فما لبث العلماء برعاية الخلفاء والوزراء، وكلّ غيور على دينه ولغته أن نقلوا هذه الثقافات إلى العربية، وأثروا بها تراثهم اللغوي والفكري،وجعلوا من حركتهم مثلاً يُحتذى، ومن آثارهم الإبداعية أساساً للنهضة الغربية التي نُباهى بها اليوم.ولم تعترض سبيلهم العربية بل كانت خير عون لهم بما أوتيت من مرونة،ومن ثراء يُضرب به المثل» (ينظر :د.مختار نويوات:اللغة العربية واستيعاب الثقافات،مجلة اللغة العربية،مجلة نصف سنوية محكمة تصدر عن المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر،العدد:06، 2002م،ص:39وما بعدها).
          إن جميع القرائن تؤكد على أن النهوض بلغتنا العربية في هذا العصر الذي عرفت فيه بعض التراجع أمر ممكن، و«انتشار اللغة العربية ليست مهمة صعبة إذا توافر لانتشارها الجهد اللازم، واللائق خاصة أن هناك العديد من الدول الإسلامية من الدول غير الناطقة بالعربية في كل من إفريقيا وآسيا إضافة إلى دول الاتحاد السوفييتي السابقة، والمناطق الإسلامية في الصين وتركيا ودول البلقان المسلمة مثل البوسنة وألبانيا وكوسوفو، والعديد من دول أوروبا وأمريكا حيث تنتشر الجاليات الإسلامية،فسوف يُقبل كل هؤلاء على تعلم اللغة العربية كونها لغة القرآن الكريم، والدين الإسلامي الذي يحرصون على الالتزام به، ويفضلون أن يعرفوه عن اللغة الأصلية، بالإضافة إلى رغبتهم في فهم القرآن الكريم، والسيرة والحديث النبوي، وكل ما يتعلق بالفقه الإسلامي. وهذا الرابط الأساسي بين الدين الإسلامي واللغة العربية يجعل من نشرها في العالم أمراً ميسراً،ويؤسس كياناً لغوياً تتبعه مصالح اقتصادية وقوة سياسية تتحول بها الدول العربية إلى كيان عالمي يأخذ مكانته بين الأمم، والتكتلات الكبرى في العالم اليوم» (د.سليمان إبراهيم العسكري:العربفونية في زمن العولمة،مجلة العربي،العدد:613، محرم1431هـ-ديسمبر2009م،ص:11 وما بعدها).
          كما توجه النقاش الذي فتحه بعض الطلاب مع الأساتذة إلى تعليمية اللغة العربية ومختلف الإشكاليات التي تواجهها فلا جدال في أن تعليم اللغة العربية تعترضه مجموعة من العوائق،مما يحول دون انتشارها في أنظمة التواصل العالمية، ويمكن أن نستشهد في هذا الصدد ببعض المقترحات التي يقترحها العلاّمة الدكتور عبد الملك مرتاض؛رئيس المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر سابقاً،للارتقاء باللغة العربية ،والنهوض بها في مختلف المؤسسات التربوية في الوطن العربي ،وذلك في محاضرة له موسومة ب« اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين  في المؤسسات التعليمية في الجمهورية الجزائرية، الواقع والتحديات واستشراف المستقبل»ألقاها بمجمع اللغة العربية الأردني بعمّان:
1. ضرورة عقد ندوات متخصّصة لترقية تدريس اللّغة العربيّة وتحسينه وتيسيره للناشئة، وإغرائهم بالتعامل مع النصوص الأدبيّة الحقيقيّة، لا نصوص الروايات التي كثيرٌ من لغتها لا يرقَى إلى الأسلوب الفصيح، بلْه الراقي، وذلك بتدريس النحو من خلال النصوص الأدبيّة المعترَف نقديّاً وتاريخيّاً بقيمتها الأدبيّة.
2. فتْح نوادٍ للقراءة الموجَّهة تحت أدباء متخصصين في المدارس الكبرى على الأقلّ، وذلك تحت إشراف أدباء مشهود لهم بمعرفة العربيّة وحبّها أيضاً، لا تحت إشراف المعلّمين المحدودِي الثقافةِ اللّغويّة، وذلك من أجل ترقية الذوق الأدبيّ العامّ لدى المتعلّمين منذ نعومة أظافرهم.
3. تأسيس نوادٍ تكون ملحقة بالمدارس الثانويّة للخطابة، والتمرّس على ارتجال الكلام بالعربيّة الفصحى، وتخصيص جوائز تشجيعيّة للمتفوّقين، حتّى لا يَرِثَ الجيلُ الجديدُ رعونة الأمّيّة، وعِيَّ اللّسان.
4. إعادة النّظر في بعض النّصوص المختارة في كتب المطالعة المقرَّرة في المدارس، من أجل ترقية الذوق اللّغويّ، وإشاعة العربيّة العالية بين النّاشئة.
5.تخصيص جوائز تشجيعيّة: ولائيّة، ثمّ وطنيّة، في كتابة القصّة والشعر والمقالة،  لتلامذة المدارس الثانويّة.
6. تخصيص جوائز تشجيعيّة للأوائل في اللّغة العربيّة في امتحانات البكالوريا سنويّاً، وتكريمهم مع الأوائل في الموادّ العامّة.
7. العمل على جعْل النجاح في مادّة اللّغة العربيّة إجباريّاً، بحيث لا ينجح التلميذ في شهادة البكالوريا، مهما تكن النتائج المتحصَّل عليها، ما لم يحصل على خمسين في المائة من علامة اللّغة العربيّة يوم الامتحان، كما هو الشأن في كثير من البلدان التي تحترم لغتها ومنها ألمانيا...
8. تدريس اللّغة العربيّة، بما هي مادّة، في التخصصات الجامعيّة العلميّة حتّى لا ينسَى الطالب، المتخصص في غير اللّغة العربيّة، ما كان تعلّمه في الابتدائيّ والثانويّ فلا يحسن، بعد التخرّج، لا التّدريس ولا البحث باللّغة العربيّة... 
         وقد تم في الختام توزيع شهادات التقدير على المشاركين في هذه الندوة،وقد أثنى الدكتور خليفة صحراوي على الجهود الكبيرة التي بذلها الدكتور المكي درار من جامعة وهران،والحق أن المواضيع التي عولجت في هذه الندوة بإلقاء المحاضرات المتبوعة بالمناقشات الرصينة هي من الأهمية بمكان،و ما تزال تستحق الكثير من الدراسات والأبحاث واللقاءات العلمية المعمقة  ،و لا يختلف اثنان في أن هذه الندوة تمثل تجربة متميزة في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة عنابة،وتعكس النشاط الدؤوب الذي يقوم به أعضاء مشروع دكتوراه اللسانيات وتطبيقاتها الذي يُشرف عليه أستاذنا الفاضل الدكتور خليفة صحراوي المعروف بتشجيعه لمثل هذه المبادرات العلمية المتميزة.

قراءة في قصة المطر للأديب وهيب نديم وهبة بقلم: سهيل إبراهيم عيساوي



قراءة في قصة المطر للأديب وهيب نديم وهبة
بقلم: سهيل إبراهيم عيساوي
قصة المطر، تأليف الكاتب المبدع وهيب نديم وهبة، القصة معدة للفتيان، تقع في 96 صفحة من الحجم الكبير، إصدار  دار الهدى للطباعة والنشر كريم، صدرت عام 2015، ترجمت للغة العبرية ونشرت ضمن كتاب واحد، على يد المترجمة البارعة برورياهورفيتس،
تزين  القصة رسومات الفنانة، سهاد عنتير – طربية، غلاف سميك ومقوى.  
                                
قام الكاتب بتقديم النص العربي على النص العبري، وهذه خطوة حسنة، المنطقي تقديم النص الأصلي على الترجمة، وكون الجمهور الأساسي، ناطق باللغة العربية، لكن الفكرة جميلة إصدار كتاب يحمل في طياته لغتين، هي رسالة مباشرة للتحاور والتبادل الفكري والثقافي والأدبي.

عنوان القصة:
اختار  لنا  الكاتب عنوان "المطر "، كلمة واحدة لكنها تحمل في طياتها الكثير من الإيحاءات الإيجابية، التفاؤل، الخير، البركة، الأمل، رياح التغيير، فكل الكائنات الحية تفرح للمطر، الماء سر الحياة، وعماد الوجود الإنساني، وكانت أهمية كبيرة للماء عند العرب، وخاصة في شبه الجزيرة العربية، فكان الماء سببا للترحال والخصام، كذلك ذكر الماء في عدة آيات  في القران الكريم، نذكر منها:

وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴿١٦٤ البقرة﴾
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴿١٧ الرعد﴾
وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ﴿١٨ المؤمنون﴾
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿30 الأنبياء﴾

كذلك ذكر الشعراء العرب المطر  وتفنوا في وصفه: نذكر  لكم  ما قاله الشاعر أبو فراس الحمداني في قصيدة "أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ"
معللتي بالوصلِ، والموتُ دونهُ، إذا مِتّ ظَمْآنًا فَلا نَزَل القَطْرُ

اما  نازك الملائكة فتقول  في قصيدة  "على وقع المطر"
"أيُّها الأمطارُ  قد ناداك قلبي البَشريُّ
يسألُ الأمطار: ما أنتِ؟ وما سرُّالحياةِ؟
 أيُّهاالأمطارُماماضيكِ؟منأينَنبعتِ؟
ابنةُالبحرِأمالسُحْبِأمالأجواءِأنتِ؟

يمكننا القول أن الكاتب وفق في اختيار عنوان قصته، لان العنوان هو عتبة الكتاب الأولى، إما أن تجذب القارئ وإما أن تنفره، إما أن تصده، وإما أن تستدرجه إلى خبايا النص.

القصة:
القصة تحدث عن الخيال العلمي، بأسلوب شيق ولغة رشيقة، منسوجة على أنغاممدرسة"جبران خليل جبران"، تروي  لنا القصة عن طفلة اسمها "سارة " ابنة طبيب معروف، على وقع المطر، يطرق بابه رجل غريب، يلح عليه أن يرافقه لعلاج أبيه، رغم أن الليل  بسط سلطانه على الكون، وابنته سارة نائمة، بعد توسل وإلحاح وافق الطبيب، لكن العقبة الوحيدة أن أبنته سارة تغط في سبات عميق، وهي وحيدة في البيت، كيف يتركها، يخاف أن تستيقظ، أخيرا كتب لها رسالة شرح لها إلى أين هو  ذاهب، بعد  مغادرة الطبيب في مهمته الإنسانية، يدخل رجل غريب الأطوار  يشبه هيكل الإنسان، قادم من الفضاء الخارجي، يحمل رسالة عاجلة إلى سارة، يحثها على مرافقته إلى العالم  الخارجي، لإنقاذ كوكب الأرض،والبشرية، من الحرب العالمية القادمة.

 جاء إلينا "رجل الفضاء" من بلاد لا تعرف الحرب ولا القتل ولا الشر، من خلال  الرحلة الشيقة التي تشبه السحر الممتع، تطرح سارة أسئلة فلسفية عميقة وجودية، حول الكون ومشاكله، الحرب، والسلام، التلوث البيئي، انتشار الأمراض الفتاكة، الحقد والحسد، وعن  أهمية إحداث تغيير في تفكير الإنسان، تنتقل  سارة والرجل الطائر، القادم من الفضاء، بين الكواكب.. وتشاهد بأم عينيها الخراب والحروب في الكون، وتقتنع إلى وجوب التغيير، لان الإنسان يحلم بحياة أخرى على كواكب أخرى ولا يفكر إلا بتدمير الأرض وجعلها خرابا، القتل والدمارمن صناعة الإنسان، وفي نهاية القصة "يشير الآن بيده إلى جمال الطبيعة، ويخرج من هناك ملايين الأطفال، يحملون تاج الشمس ومنارة المستقبل وأغصان السلام ورايات الفرح" والمفاجأة كانت عند عودة الطبيب من مهمته، يجد ابنته سارةما تزال تغط في سبات عميق، تحلم  وترسم الحلم الجميل للبشرية.

تقنية الحلم:  
نجح الكاتب في  استغلال تقنية الحلم لإيصال أفكاره التي يؤمن بها، وفي نسج قصة جميلة، تحمل في طياتها رسائل كبيرة عبر الخيال العلمي، لان الحلم يمكن الكاتب من الإبحار  بعيدًا والتوغل في عالم الأدب لأبعد الحدود كاسرا أغلظ القيود.

رسالة الكاتب:
أراد الكاتب وهيب نديم وهبة إيصال حزمة من الرسائل الهامة للمجتمع وللأطفال وللبشرية:
-الدعوة للسلام، أفضل الطرق واقصرها، من اجل وقف حمامات الدم والكراهية.
-الحلم ببناء عالم جديد، يقوم على أساس العدل، السلام، الحرية، المحبة، للأطفال دور كبير، هم جيل المستقبل، حملة شعلة الخير، "هم أشجار المحبة، الذين يبنون العالم الجديد"ص 42، "هم الصغار الذين يبنون العالم الجديد، بالنسل الجديد، النسل الجديد الذي يبني الحضارة، ويأتي بالحب، والإنسانية، بالعدل والسلاموالحرية، النفوس الآن اعتادت على البغضاء والحقد، العالم بحاجة ماسة، إلى زراعة الثقافة الجديدة، بزهرة الحب والقلب، وبعدها السفر إلى منطقة أشجار المحبة" ص 32
-الدعوة للمحافظة على كوكب الأرض من التلوث البيئي، تلويث المصانع الذي يفتك بالبشر  والشجر.
- تشجيع القراءة والتمسك بمتعة ملامسة الكتاب، وقد ورد ذكر المطالعة وأهمية المكتبة مرتين في القصة، فوالد سارة طبيب مثقف يملك مكتبة بيتيه غنية فيها الكتب النادرة والحديثة، وسارة تحب القراءة.
-دعوة مفتوحة للعطاء، من أجل الإنسان الساكن فينا، الطبيب، قام بالمخاطرة بحياته وحياة ابنته من أجل إنقاذ إنسان لا يعرفه، "أن تأخذ دون أن تعطي، جريمة، كأنك نصف إنسان" ص 38، هنا يذم الكاتب الإنسان الأناني الذي لا يمد يد العون لأخيه الإنسان.
-ضرورة تنشئة الأطفال وتربيتهم وسط بيئة سليمة، تلك مسئولية يتقاسمها الأب والأم.
- يخرج الكاتب ضد استغلال الشعوب، من قبل دول مهيمنة، تقوم بسلب ثروات وخيرات الأمم، فهنالك ضرورة لإرساء الحق والعدل وإذابة الغبن الحاصل.
-ضرورة تقبل الآخر، وسماع المختلف عنا واحترامه، لأن احترام الآخر يقرب السلام بيننا، ويدحر الشر.
- الإنسان ترك الجمال والفكر  والحب والرومانسية، وأخذ يلهث خلف المادة التي تجره نحو الهاوية.
- انتقاد لاذع لسباق التسلح بين الدول والجماعات، هذه الأسلحة تفتك بالبشرية وتدمر الكون، بيد الإنسان.
- تأثير الإشعاعات القوية، وقواعد الاتصال على البشر، فهي أحد أسباب انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة، أمام عجز الطب عن مواجهة ضحايا التكنولوجيا.
- دعوة للكتاب إلى انتهاج نهج الكاتب في طرق باب الخيال العلمي، لأهمية الموضوع في جذب الطفل إلى عالم الأدب والقصة، وتوسيع أفاقه وفكره، كذلك هنالك علاقة وطيدة بين العلم والتكنولوجيا وعالم الاختراعات، وأدب الخيال العلمي، فالكثير من المخترعين والباحثين، يستلهمون أفكارهم من قصص الخيال العلمي، وما كان أسطورة قبل مئات السنين أصبح حقيقة لا تقبل الشك.
- الاهتمام برعاية الطفل اليتيم، الطفلة سارة ابنة العاشرة، يتيمة الأم، والأب يرعاها برفق وحنية، ويسهر على احتياجاتها.
- قدسية مهنة الطبيب، يشير الكاتب إلى أهمية هذه المهنة، وخاصة في ظل انتشار الحروب والمعارك في أجزاء كثيرة من المعمورة، وانتشار الأمراض الفتاكة.
- يؤمن الكاتب بإمكانية التعايش بين الشعوب، كما سمح هو لأكثر  من لغة في العيش بحرية على صفحات كتابه "المطر"، لكنه يقرن الإيمان بالعمل "الحياة لا تتوقف عند حدود التفاؤل، بل عند الرغبة المطلقة في العمل" ص33 .
- دعوة لوقف القتل والحروب، جو  من اللامبالاة من قبل البشر  والساسة كأننا في مسرحية وتمثيلية، "أني أشاهد على مرمى بصري، عشرات القتلى والدمار  وهدم المنازل والطائرات تقصف بلا رحمة، وتحرق الأرض، كأنما نعيش في عالم من كرتون وليس من إنسان" ص37.
- ضرورة احترام حقوق الأطفال، وفق العقود والمواثيق الدولية.

مكان القصة:
الكاتب لا يشير إلى مكان وقوع أحداث القصة على الأرض، لكنه في موضوع واحد بإشارة ذكية يذكر "كي يهبط السلام من السماء في بلاد الأنبياء" ص 34، هي إشارة إلى بلادنا.

لغة القصة:
الكاتب وهيب نديم وهبة، بارع في تطويع اللغة، لتصبح مثل قطعة حلوى لذيذة على كل لسان يتذوق أدبه، يوظف اللغة الشعرية إلى أقصى الحدود، من تشبيه واستعارة، وبناء جمل جديدة بكريه مبتكرة، لا تخلو صفحة من الكتاب، من جمل منسوجة بذكاء وتمرس، مجبولة بأصابع الإبداع والذوق الرفيع. وهيب وهبة، رائد في تقديم لغة جميلة لأطفالنا، يخدم اللغة العربية، ويثري قاموس القارئ.

من الجمل الرائعة في القصة:
-"ما أجمل الصباح الذي فتح عينيه على نشيد السماء" ص 9
-"السماء تحتفل بثورة الأرض وتبديل أثواب الطبيعة" ص 9
- "الصخور العالية تغتسل الآن " ص 9
-"السهول تحتضن الماء" ص 9
-"تعانق المطر في رقصة الريح" ص 9
-"الليل الموحش، العاصف والقاصف بالرعود والمطر " ص11
-"ينهض كمثل السهم مسرعا" ص 11
-"تتماوج مثل راقصة الباليه" ص 13
- "الظلام يكتب بالحبر الأسود.. لون المكان" ص 14
-" الشجر الباسق المتسلق كمثل خيالات الأفاعي في الظلام" ص 17
-"يعصف الشجر من حولنا" ص 19
- "نعلو ونمشي فوق الغيم" ص 19
-"حزمة من الشعاع البراق، الشفاف الجميل" ص 22
- "يشرق وجهها أمام لوحة سماوية"  ص 25
- "الصخور المسننة كحد الخناجر " ص 29
- "الوجوه الكالحة الصامتة" ص 31
- "سارة تغازل جمال القلعة" ص 35
- "ما بين التربة والتربية" ص 36
- "تسمع سارة صوتا قويا يهز أركان السماء" ص 36
- "نرصد حقدكم في الاستيلاء والاستعلاء" ص 36
-"يعتريها الخوف والفزع" ص 37
- "القمر الذي ينام الآن على شرفة الأفق" ص37
- "تسحر العين، وتسرق القلب من بين الضلوع" ص 37
- "يقبل جبين البحر  وينام بين يديه" ص 37
- " هي الآن تستوطن تحت يدي" ص 39
- "يهبط السلام من السماء" ص 39
- "سرق قلب سارة وأدخله داخل صندوق الفرح" ص 40
- "غابة المحبة قادمة إلينا" ص 40

خلاصة: 
قصة جميلة مثقلة بالحكمة والفلسفة، والخيال العلمي، مغموسة بالفكر العميق، تحمل في طياتها رسالة، قوية للبشرية، من أجل الإيمان بقيم عليا، لنبذ العنف، الحروب الأحقاد، التمسك بالسلام والحوار  أو احترام الآخر، كنهج حياة، من أجل أطفالنا ومستقبلنا، ومستقبل كوكب الأرض الجميل، لكن بسبب سوء تفكيرنا، تنتشر الحروب، الأحقاد، لكن الكاتب يؤمن بالجيل الجديد، بعالم جديد، يحترم الإنسان، وحقوقه، وحرياته  وفكره.                                                                                     
البطلة سارة تجسد الجيل المرتقب، لعله يفلح في إحداث تغيير عميق في تصرفات الإنسان التي تعود عليه بالشر. وقد نجح الكاتب في بناء قصة متينة من حيث اللغة ومن حيث البناء القصصي، الكاتب نجح عبر أدبه في الوصول إلى العالمية، وحصد العديد من الجوائز ، وقد ترجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية عديدة.


قراءة في قصة:
"المطر"
لوهيب نديم وهبة

بقلم:
سهيل إبراهيم عيساوي

ترجمة للإنجليزية:
حسن حجازي حسن

////

Reading in the story of
"The Rain"
For:
Waheeb Nadeem Wahbah

By:
SohelIbraheemIsawi

Translated by:
Hassam Hegazy Hassan


The story of the rain, written by the creative writer Waheeb Nadeem Wahbah, prepared for boys, located in 96 pages of large size, Dar al-Huda for publishing and distribution Karim, published in 2015, translated into Hebrew and published in one book, by the brilliant translator (Bruria Horvitz).
The story is adorned with the drawings of the artist, SuhadAnteer-Tarabia, with thick and reinforced cover.

The writer presented the Arabic text before the Hebrew text.This is a good step. The good sense is to present the original text on the translation and the fact that the main audience is an Arabic speaker, but it is a beautiful idea to issue a book with two languages. It is a direct message for dialogue, and for intellectual,cultural and literary exchanges.
                                
The title of the story:

The author has chosen the title "The Rain", only one word, but it carries many positive significances, like optimism, goodness, blessing, hope and winds of change. All living beings rejoice for rain, as water is the secret of life, and the pillar of the human existence. There was a great importance for Water in the Arabs, especially in the Arabian Peninsula, water was a cause of migration and rivalry, as well as water is mentioned in several verses in The Holy Koran, we can mention some of them:

"And from what God has sent down from the sky of water and has given life to the earth after its death"
"وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا"﴿١٦٤ البقرة﴾

"And we brought down water from the sky, and the valleys will flow in its way"
"أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا"﴿١٧ الرعد﴾

"And we have brought down water from heaven as much as we have poured it into the earth"

"وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ" ﴿١٨ المؤمنون﴾

"And we have made of water all living things" (30 the prophets).

"وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" ﴿30 الأنبياء﴾

The Arab poets also mentioned the rain and did their best in its description: We remind you of what the poet "Abu Firas al-Hamdani" said in his famous poem:

 "I see you hardly shed tears":
                                                     "أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ"

Comforting me to be patient for her near meeting,
 But it is far and death is surely nearer than it,
 If I died thirsty, may rain would not fall.

معللتي بالوصلِ، والموتُ دونهُ، إذا مِتّ ظَمْآنًا فَلا نَزَل القَطْرُ

As for Nazik Al-Malaika when she says in her poem "upon the impactof rain":

"على وقع المطر"

"أيُّها الأمطارُ قد ناداك قلبي البَشريُّ
يسألُ الأمطار: ما أنتِ؟ وما سرُّ الحياةِ؟
 أيُّهاالأمطارُماماضيكِ؟منأينَنبعتِ؟
ابنةُالبحرِأمالسُحْبِأمالأجواءِأنتِ؟

"O rain, my human heart has called upon you
Asking Rains: What are you? What is the secret of life?
 O rain, what is your past? Where did you come from?
You the daughter of the sea, the clouds or the air? Are

We can say that the writer has succeeded in the choice of the title of his story, because the title is the first threshold of the book, either to attract the reader or to keep away from it, either to abandon him, or to draw him to the hidden parts of the text.

The story: the story tells about the science fiction with an interesting style and lively graceful language, woven on the tones of the school of "GibranKhalil Gibran", telling the story of a girl named "Sarah", the daughter of a well-known doctor, upon the impact of the rain, a strange man knocking at the door who insists that he should accompany him to treat his father, though the night stretched out his dominion over the universe, and his daughter Sarah was asleep, after begging and insisting  the doctor agreed, but the only obstacle that his daughter Sarah was in a deep fast sleep, a lone at home, how to leave her, afraid to wake up,he wrote her a message telling her where he is going, after leaving the doctor in his humanitarian mission, an eccentric man enters resembling the human structure, coming from outer space. It carries an urgent message to Sarah, urging her to accompany him to the outside world, to save the earth and the humanity, from the next World War.

The "space man" comes for us from a country that does not know war, murder, or evil. Through an exciting journey that resembles the delightful magic, Sarah asks deep existential questions about the universe and its problems, war, peace, environmental pollution, the spread of deadly diseases, and the importance of making a change in the mind of the human and his thoughts, Sara and the flying man, who is coming from outer space, are moving between the planets.. and see with her own eyes the devastation and wars in the universe, and is convinced of the need for change, because man dreams of another life on other planets and thinks only to destroy the earth and makes it desolate, Killing and destruction are from the human industry, and at the end of the story "now he refers to the beauty of nature, and millions of children coming  out of there, carrying the crown of the sun and a beacon of the future and the branches of peace and banners of joy"  and the surprise was when the doctor returned from his mission, he finds his daughter Sarah is still in a deep fast  sleep, dreaming and painting the beautiful dream of humanity.

The dream technique:

 The writer succeeded in exploiting the dream technique to convey his ideas, and in weaving a beautiful story, which carries great messages through science fiction, because the dream enables the writer to sail away and penetrate the literary world to the maximum extent breaking the strongest restraints.

The message of the writer:

 The writer Waheeb Nadeem Wahbahwanted to covey a package of important messages to society, children and humanity:
- Call for peace, is the best and the shortest way, in order to stop the bloodshed and hatred.

- The dream of building a new world, based on justice, peace, freedom and love, a great role is for the children, they are the generation of the future, the torch of Goodness, "they are the trees of love, who will build the new world, with the new generation, the new generation that will build civilization and come with love and humanity, with justice, peace and freedom, souls now  used to hate and jaundice, the world badly needs to cultivate the new culture, with the help of the flower of love and heart, after that travelling to the area of the trees of love" p32

- Call to preserve the planet from environmental pollution, of the factories which kill humans and trees.

- Encouraging reading and adherence to the pleasure of touching the book, and mentioned the reading and the importance of the library twice in the story, the father of Sara, an intellectual doctor has a library home, rich in rare and modern books, and Sarah likes to read.

- An open invitation to give, for the man who lives inside us, the doctor, took the risk of his life and the life of his own daughter in order to save a man he does not know " to take without giving is a crime, "As if you were half a human being" p38, here he blames the selfish man who does not help his fellow man.

- The need to raise children and raise them in a healthy environment, a responsibility shared by father and mother.

-The writer comes out against the exploitation of peoples, by the dominant countries, which rob the wealth and the good of the nations, there is a need to establish the right and justice and putting an end to the recent injustice.

- The need to accept the other, to hear the different from us and respect him, because respecting the other brings peace between us, and defeats evil.

-Man left the beauty and thought, love and romance, and is rushing after the material that leads to the abyss.

-A sharp criticism of the Arms Race between nations and groups, these weapons destroy humanity and the universe by the human hand.

-The impact of strong radiation, and the rules of communication on humans, is one of the causes of the spread of epidemics and deadly diseases, in front of the inability of medicine to face the victims of technology.

- Inviting writers to follow the writer's approach in adapting  the ways of science fiction, towards the importance of the subject in attracting the child to the world of literature and story, and expand his prospects and his thought, as there is a strong relationship between science and technology  and the world of inventions, and the literature of the science fiction, as many inventors and researchers, inspired their thoughts from the stories of Science fiction, and what was a legend hundreds of years ago has become an unquestionable fact.

-Paying attention to the care of the orphaned child, the ten-year-old daughter Sarah, the orphan of the mother, and the father is caring for her with care and kindness, and is staying up late to look after her.

-The sanctity of the profession of the doctor, the writer points to the importance of this profession, especially in the light of the spread of wars and battles in many parts of the globe, and the spread of deadly diseases.

-The author believes in the possibility of coexistence among peoples, and allowed more than one language to live freely on the pages of his book "The Rain", but he joins faith with work. "Life does not stop at the limits of optimism, but the absolute desire to work" p33.

- A call to stop killing and wars, an atmosphere of indifference by humans and politicians as if we were in a play and a serial, "I see as far as we can see, dozens of deaths and destruction and the demolition of houses and planes bombard mercilessly, and burn the land, as if we live in a world of cardboard and not of human beings" p 37.

-The need to respect the rights of children, in accordance with international contracts and conventions.


The place of the story:
The author does not refer to the location of the events of the story on the ground, but in one subject with a clever sign he mentions that "peace is coming down from heaven in the land of the prophets" p. 34, and it is a reference to our country.

The language of the story:

The writer Waheeb Nadeem Wahbah, is proficient in the adaptation of the language, to become a delicious piece of dessert on each tongue tasting his literature, employs the language of poetry to the maximum extent of simile and metaphor, and build new creative virginal sentences, every page of the book has clever and experienced sentences, woven with the fingers of creativity and taste. WaheebWahbah, is a pioneer in providing a beautiful language for our children, doing a great service for the Arabic language and enriches the reader's dictionary.

From the wonderful sentences in the story:

-" What is the most beautiful morning that opened his eyes on the song of heaven" p.9

-"Heaven celebrates the revolution of the earth and the changing of nature's dresses" p. 9

-"High rocks are washing now" p. 9

"-"Plains embrace water" p. 9

_"Hugging the rain in the dance of the wind" p. 9

-"The gloomy night, the stormy and the blowing with thunders and rain" p. 11

P.11 " Rising up fast like the arrow."-

-"Moving lightly like a ballet dancer" p.13

-"Dark writes with black ink ... the color of the place" p.14

-"The tall climbing trees like the images of snakes in the dark" p. 17

_"The trees are blowing around us" p. 19

"We rise and walk  above the clouds" p. 19"_

-"Pack of bright beam, the beautiful and transparent" p. 22

-"Her face shines in front of a celestial painting" p. 25

_"The drilled rocks like the blade of daggers" p. 29

-"The gloomy silent faces" p. 31

_"Sarah is flattering the beauty of the citadel" p. 35

_"Between soil and education" p. 36

_"Sarah hears a strong voice shaking the corners of heaven" p. 36

-"We monitor your hatred in the seizure and arrogance" p. 36

p. 37"Fear and panic appeared on her"_

_"The moon that now sleeps on the balcony of the horizon" p. 37

_"That Enchanted the eye, and the stealing the heart among the ribs" p. 37

-"He kisses the brow of the sea and sleeps in his hands" p. 37

-"She now settles down under my hands" p. 39

-"Peace descends from heaven" p. 39

-"He stole the heart of Sarah and brought it into the box of joy" p.40

_"The forest of love is coming to us" p. 40



A beautiful story that is laden with wisdom, philosophy and science fiction, immersed in deep thought, carries a powerful message to humanity, to believe in higher values, to renounce violence, wars and  hostilities, to adhere to peace and dialogue or to respect others as a way of life, for our children and our future, for the future of our beautiful planet, but because of our misinterpretation, wars are spreading, hatred, but the writer believes in the new generation, in a new world that respects man, his rights, his freedoms and his intellect.
                                                              
The heroine Sarah embodies the next generation, perhaps succeeding in bringing about a profound change in the behavior of the man who is accustomed to it by evil. The writer has succeeded in building a solid strong story in terms of language and in terms of storytelling, the writer has succeeded through his literature in reaching the world, and won many awards, and some of his works have been translated into many foreign languages.


****
The translator:

Hassan Hegazy Hassan, an Egyptian Poet and Translator,
Born in 16-7-1960, Graduated from Zagazig University, 1982, got his BA, in English language, Education and Arts. Member in Egypt's writer union and a member in The Egyptian Translators and Linguists' Association, in Cairo.
In poetry: Published seven collections.
In translation: Published about 12 works, from them:-
1-- A whoop of Scent, a poetry collection for: Asmae’ Saqr Al- Qassimi . U.A .E . Emirate. Into English.
2-- Seven ages For Man, selected poems from English poetry to Arabic language.
3-- Under Warm Sun: Short stories, for the Tunisian Writer: IbraheemDraghouthy. Into English.
4- Bleeding Under Sand: Very Short Stories. Hassan Ali Al- Battran/ Saudi Arabia. Into English.
5- Songs along the River Nile.
6- Whispers from the other side of the world: A poetry collection for 15 Arab poets from different parts of the Arab world, Into English.
7- Bee- Flu: Alkessah Al-sha'erah. Mohamed Elshahat Mohamed. Egypt. Into English.
8-The Conquerors, very Short Stories by: Mohammed Ibn Rabea al-Ghamedy, Saudi Arabia. Into English.
9- Paradise in my chest, Tahani Al- Douihm, , very short stories, Saudi Arabia. Into English.
10-The Signal is Still Red,Very short stories, Ibtessam Al-Bakhmey, Saudi Arabia. Into English.
11 –Innovations from the east and the west. a poetry collection. Asmae’ Saqr Al- Qassimi. U.A .E . Emirate. Into English.

***